نصائح سريعة
- ضع صداقاتك في مفكّرتك.
- امشِ دون بودكاست.
- دَع صديقاً يقف إلى جانبك.
تصلك دعوة زفافٍ في البريد. يسألك صديقٌ، بلطف، إن كنت «تواعد أحداً». تُجلِس مائدة العيد الجميع في أزواج، ثم يأتي دورك أنت. للعالم طريقةٌ في تذكير العُزّاب بأنهم عُزّاب، عادةً في اللحظة التي يكونون قد كفّوا فيها عن التفكير في الأمر.
إن لامسك أيٌّ من ذلك، فأنت لا تتوهّم الضغط. ثمة رسالةٌ ثقافية ثابتة مفادها أن الشريك العاطفي هو خطّ النهاية، وأن كل ما قبله مجرّد غرفة انتظار. تلك الرسالة عالية الصوت، وقديمة، ومخطئة في معظمها بشأن ما يجعل الحياة تبدو جيّدة.
نريد أن نكون صادقين هنا، لأن التظاهر مُرهِق. في بعض الأيام تبدو حياة العزوبة رحبةً وحرّة. وفي أيامٍ أخرى تبدو كجانبٍ باردٍ من السرير وهاتفٍ لا يرنّ. وقد يصحّ الأمران في الأسبوع نفسه. هذا ليس خطاباً تحفيزياً يخبرك أن الوحدة رائعةٌ في السرّ وأن عليك أن تكون ممتناً. بل هو نظرةٌ أقرب إلى ما يجري فعلاً، وما يمكنك أن تصنعه به.
ما تُخطئ الأبحاث فهمه فينا باستمرار، وما تُصيبه
لوقتٍ طويل، كانت القصص التي نرويها لأنفسنا عن العُزّاب تأتي من دراساتٍ قارنت المتزوّجين بسائر الناس وسمّت الفارق «فائدة الزواج». وقد أمضت عالِمة النفس الاجتماعي Bella DePaulo عقوداً تثقب هذا الطرح. فعملها حول ما تسمّيه أن تكون أعزب في القلب يصف أناساً يزدهرون *لأنهم* عُزّاب، لا رغماً عن ذلك. وفي دراسةٍ طويلة الأمد تشير إليها، ازداد رضا الذين لم يكونوا يحاولون الهروب من العزوبة عن حياتهم مع مرور السنين. أما الذين كانوا يتحرّقون شوقاً إلى شريكٍ فتضاءل رضاهم.
اقرأ هذا مرّتين، لأن الترتيب مهمّ. لم تكن العزوبة هي ما جعل الناس تعساء. بل كانت رغبتهم في أن يكونوا في مكانٍ ليسوا فيه.
وهنا الجزء الذي يستحق أن تتأمّله. وجدت دراسةٌ متأنّية لشبابٍ عُزّابٍ وآخرين مرتبطين أن العُزّاب أبلغوا فعلاً عن وحدةٍ *عاطفية* أكبر، أي شوقٍ محدّدٍ إلى شريك. لكن على صعيد الوحدة الاجتماعية العادية، ذلك الإحساس اليومي بالارتباط بالناس، لم يكن هناك فرقٌ حقيقي بين العُزّاب والمرتبطين. وما وقى من الألم العاطفي لم يكن الارتباط بشريك. بل كان الدعم القوي من العائلة ومن أكثر الناس أهمّية.
إذاً لم تكن المشكلة يوماً في «العزوبة». بل في أن نوعاً واحداً بعينه من القرب قد يبدو مفقوداً، وأن ذلك النوع الواحد يمكن تلبيته، جزئياً، بأكثر من طريقة.
حياتك فيها حبٌّ بالفعل
أكبر فخاخ العزوبة هو معاملة الشريك العاطفي بوصفه العلاقة الوحيدة التي تُحتسب. وهو ليس كذلك، وأطول دراسةٍ لدينا عن سعادة الإنسان تقول ذلك بوضوح.
تابعت دراسة Harvard لتطوّر البالغين الأشخاص أنفسهم لأكثر من ثمانين عاماً، ترصد ما الذي يتنبّأ فعلاً بشيخوخةٍ صحّية وراضية. والنتيجة التي يكرّرها مدير الدراسة مراراً صريحة: العلاقات الوثيقة، أكثر من المال أو الشهرة، هي ما يُبقي الناس سعداء طوال حياتهم. ليس الزيجات تحديداً. بل العلاقات. الصديق الذي يعرف تاريخك كله. الأخ أو الأخت الذي تُراسله دون تفكير. الجار الذي يسقي نباتاتك. وقد وجدت الدراسة أن الرضا عن العلاقات في سنّ الخمسين تنبّأ بالصحّة الجسدية في سنّ الثمانين أفضل مما تنبّأ به الكوليسترول.
لا شيء من تلك الروابط يتطلّب شريكاً عاطفياً. وكلّها متاحةٌ لك الآن.
وهذا خبرٌ سارّ، لأنه ينقل العمل إلى حيث تملك زمام التحكّم فعلاً. لا يمكنك استدعاء الشخص المناسب وفق جدولٍ زمني. لكن يمكنك أن تتّصل بالصديق الذي طالما نويت الاتصال به. وبعض الأمور التي تميل إلى المساعدة:
- عامِل صداقاتك كأنها تحمل ثقلاً، لأنها كذلك بالفعل. ضعها في مفكّرتك. كُن أنت من يخطّط. فالصديق الذي يبادر بالتواصل نادراً ما ينقصه الناس.
- ابنِ إيقاعاتٍ صغيرة متكرّرة مع الآخرين. نزهةٌ أسبوعية، عشاءٌ ثابت الموعد، حصّةٌ تواظب على حضورها. فالقرب يُبنى بالتكرار أكثر مما يُبنى بالحدّة.
- دَع الناس يساعدونك، واطلب منهم ذلك. فحملُ كل شيءٍ وحدك ليس قوّة، إنه ثقيلٌ فحسب. والسماح لأحدهم بأن يقف إلى جانبك هو ما يعمّق الرابطة.
- وسّع ما تعدّه حميمية. فأن يعرفك صديقٌ معرفةً عميقة، أو قريب، أو محادثة جماعية دامت سنين، ذلك قربٌ حقيقي، وجسدك لا يقيّمه بناءً على كونه عاطفياً أم لا.
الوقت الذي تقضيه وحدك ليس العدوّ. قد يكون هو المقصد.
ثمة فرقٌ بين أن تكون وحدك وأن تكون وحيداً، ومن السهل أن يختلطا حين تعيش بمفردك.
الوحدة شعور، هي الفجوة بين التواصل الذي تملكه والتواصل الذي تريده. أما الانفراد فهو مجرّد أن تكون بمفردك. قد تشعر بوحدةٍ موجعة في غرفةٍ مزدحمة، وقد تشعر برضاً تامٍّ وحدك في يوم سبتٍ والمطر يتساقط. علماء النفس الذين يدرسون هذا يرسمون خطاً فاصلاً حاداً بين الاثنين، وقد وجدوا أن الوقت الذي تختار أن تقضيه وحدك يصنع خيراً حقيقياً. وبحسب باحثين عرضتهم American Psychological Association، فإن فتراتٍ قصيرة من الخلوة تُهدّئ المشاعر عالية الحدّة، القلقة منها والمشحونة بالحماس على حدٍّ سواء، وتُفسح مجالاً للمشاعر الهادئة: الاسترخاء والتأمّل وإحساسٍ بأنك على سجيّتك.
الكلمة المفتاحية هنا هي *مُختارة*. فالخلوة التي تنتقيها تبدو كراحة. أما الخلوة المفروضة عليك فتبدو كمنفى. الساعات نفسها، والتجربة مختلفة.
بالنسبة إلى العُزّاب، هذه ميزةٌ حقيقية، ومعظمنا لم يُعلَّم قطّ كيف يستفيد منها. يمكنك أن ترتّب يوماً كاملاً حول ما تريده أنت. ويمكنك أن تتقن صحبة نفسك. فالذين يرتاحون في وحدتهم لا يرضون بأقلّ مما يستحقّون، بل لديهم أرضٌ ثابتة يقفون عليها لا تعتمد على جدول أحدٍ آخر.
تمرينٌ صغير
في المرة القادمة التي تخلو فيها بأمسيةٍ لنفسك، حاوِل ألّا تملأ كل دقيقةٍ منها. تجاوز دافع التخدير أمام شاشةٍ في اللحظة التي يحلّ فيها الهدوء. اطبخ شيئاً على مهل. امشِ دون بودكاست. لاحِظ ما يفعله عقلك حين تكفّ عن إغراقه بالضجيج. سيكون بعض ذلك غير مريحٍ في البداية. لكن ذلك الانزعاج يتلاشى عادةً إلى ما يشبه السلام، والسلام لك تحتفظ به.
حين يكون الألم أكثر من مجرّد مزاج
والآن التنبيه الصادق، لأن ليس كل هذا يُحلّ بإعادة تأطيرٍ وعشاءٍ ثابت الموعد.
ثمة فرقٌ بين أمسيةٍ تبدو فارغةً بعض الشيء ووحدةٍ استقرّت وترفض أن تنقشع. انتبِه إن كان الثقل يلازمك معظم الأيام لا بعضها. إن كنت قد انكفأت عن أناسٍ كنت تستمتع بصحبتهم. إن كنت لا تنام، أو تنام طوال الوقت. إن صار الطعام أو الشراب أو التنقّل عبر الشاشة هو الوسيلة الأساسية التي تجتاز بها ليلتك. إن بدأ صوتٌ في رأسك يخبرك أنك لا تستحقّ الحبّ، أو أن هذا دائم، أو أن لا أحد سيلاحظ لو اختفيت.
وذلك الأخير على وجه الخصوص. الوحدة التي تتحوّل إلى يأسٍ تستحق أن تُؤخذ على محمل الجدّ، وهي بالضبط ما يوجد المُعالج النفسي أو الطبيب من أجله. طلب المساعدة ليس إقراراً بأنك فشلت في العزوبة. إنه الشيء نفسه الذي كنت ستنصح صديقاً بأن يفعله، مُوجَّهاً نحو نفسك هذه المرّة.
وإن شعرت يوماً أنك قد لا تكون آمناً على نفسك، فأرجوك ألّا تبقى وحدك مع ذلك الشعور. تحدّث إلى أحدٍ اليوم. خطّ أزماتٍ، أو طبيب، أو شخصٍ يحبّك. المعلومات في أسفل هذه الصفحة وعلى أطرافها موجودةٌ لهذا السبب بالذات، في أي ساعة، دون موعد.
العزوبة ليست مشكلةً تحتاج إلى إصلاحٍ قبل أن تبدأ حياتك الحقيقية. فحياتك الحقيقية هي التي تعيشها الآن. والمهمّة ليست أن تجد من يُكمّلها. بل أن تملأها بالناس والإيقاعات والهدوء الذي يجعلها بالفعل حياتك أنت.
المصادر
- Harvard Gazette, Good genes are nice, but joy is better
- American Psychological Association, Speaking of Psychology: The benefits of solitude
- Bella DePaulo, Single at Heart
- Current Psychology / PMC, An Investigation of Loneliness and Perceived Social Support Among Single and Partnered Young Adults