تخطّي إلى المحتوى الرئيسي

العلاقات · الحدود

كيف تُصلح حدّاً وضعته بقسوةٍ زائدة

إصلاح حدٍّ وضعتَه بقسوة زائدة يعني الاعتذار عن النغمة، لا عن الحدّ نفسه. لقد رسمتَ الخط أخيرًا، لكنه خرج أكثر حدّة مما قصدت. والآن ثمة مسافة بينكما، وأنت لا تعرف إن كنتَ قد تجاوزتَ الحدّ أم لم تكن حازمًا بما يكفي. هذا كيف تتراجع عن النغمة، دون أن تتراجع عن الحدّ.

رجلٌ ينظر إلى السماء في حقلٍ أخضر

صورة بعدسة Jahanzeb Ahsan على Unsplash

هناك نوع خاص من الندم يظهر في صباح اليوم التالي. لقد تمسّكتَ بموقفك أمام شخص ما، وكان ذلك هو الصواب. لكن الكلمات خرجت أكثر برودة مما قصدت، أو أعلى صوتًا، أو انتهت بباب مُغلَق بعنف. ربما كنتَ تكتم الأمر منذ أشهر، فخرج أخيرًا دفعة واحدة. والآن رُسم الخط، وارتفع جدار معه، ولم تعد متأكدًا أيّهما بنيتَه عن قصد.

أولًا، خذ نفسًا عميقًا. وضع حدّ أصلًا أمر صعب، خصوصًا إن كنتَ قد نشأتَ وأنت تتعلّم أن راحة الآخرين تأتي قبل راحتك. وكون حدّك جاء خشنًا لا يُلغي أنك كنتَ بحاجة إليه. فكثير من الحدود الجيدة تصل بطريقة سيئة. والمطلوب الآن ليس الاعتذار عن وجود حدّ. بل فصل الحدّ عن طريقة إيصاله، والإبقاء على الأول، وتنظيف الثاني.

الحدّ والعقاب ليسا الشيء نفسه

يساعد أن نوضّح ما هو الحدّ فعلًا، لأن الحدود القاسية غالبًا ما تنزلق إلى شيء آخر.

الحدّ هو تصريح عنك أنت: ما ستفعله وما لن تفعله، وما أنت مستعدّ له، وكيف تحتاج أن تُعامَل كي تبقى في الغرفة. وكما تصف Cleveland Clinic، الحدود الصحية لا تحاول التحكّم في الطرف الآخر. بل تُخبر الناس باحتياجاتك مع ترك مساحة لاحتياجاتهم أيضًا. فمثلًا، "لا أستطيع الحديث حين يكون هناك صراخ، لذا سأبتعد قليلًا ويمكننا متابعة الأمر لاحقًا" هو حدّ. فهو يتعلّق بسلوكك وحدودك أنت.

أما العقاب فهو موجّه إلى الخارج. والهدف منه أن يجعل الطرف الآخر يشعر بشيء ما: بالذنب، أو بالصغار، أو بالندم على تجاوزه لك. كالصمت العقابي الذي يمتدّ لأيام. أو باب يُغلَق بعنف لإيصال رسالة. أو كلام يُقال لإيلامك لا لإعلامك. وحين يتحوّل الحدّ إلى عقاب، غالبًا ما يعجز الطرف الآخر عن سماع الحدّ نفسه. فهو لا يشعر إلا باللسعة، فيتحصّن، وتضيع الرسالة الحقيقية.

لذا حين تعود بذاكرتك إلى ما حدث، افرزه إلى كومتين. فالحدّ نفسه يستحق الإبقاء عليه في الغالب. أما الحرارة المحيطة به، والازدراء، وعلوّ الصوت، والجزء الذي صُمّم ليقع كصفعة، فهذا ما يحتاج إلى إصلاح. أنت لا تتراجع عن الحدّ، بل تنزع السلاح المُلحَق به.

لماذا خرج الأمر ساخنًا؟

فهم آلية ما حدث يمكن أن يخفّف بعضًا من الخجل المرتبط به.

معظم الحدود التي تخرج بشكل مبالَغ فيه لا تتعلّق حقًا باللحظة التي حدثت فيها. بل تتعلّق بالمرة العشرين. تركتَ أمرًا يمرّ، ثم مرّة أخرى، ثم أخرى، مقنعًا نفسك أنه لا يستحق الخلاف، بينما كانت الاستياءات تتراكم بصمت. وحين تحدّثتَ أخيرًا، لم تكن تردّ على تعليق واحد. بل كنتَ تردّ عليها كلها دفعة واحدة، وخرج الضغط المتراكم منذ أسابيع في نَفَس واحد.

وهناك أيضًا سبب أبسط وأكثر ارتباطًا بالجسد. فحين يغمرك التوتّر، يتولّى الجزء السريع والدفاعي من دماغك القيادة، ويصمت الجزء المتأنّي. وفي هذه الحالة، يقول الناس أشياء أكثر حدّة وقطعية مما يقصدون فعلًا. "أنت دائمًا تفعل هذا." "لقد اكتفيت." هذه ليست موقفك الحقيقي. بل هو نظام الإنذار في داخلك من يتحدّث. ومعرفة ذلك لا تُبرّر كلمة قاسية، لكنها تفسّر كيف يمكن لحاجة معقولة أن تخرج من فمك وكأنها حُكم نهائي.

إصلاح الأمر من دون التخلّي عنه

إليك الخطأ الشائع الذي يعثر فيه كثيرون: يظنون أن السبيل الوحيد لعقد الصلح هو التراجع عن الأمر بأكمله. فيعتذرون عن كل شيء، بما في ذلك الحدّ نفسه، وبعد أسبوع يجدون أنفسهم في الزاوية نفسها يشعرون بأنهم غير مسموعين. لست مضطرًا للاختيار بين أن تكون لطيفًا وأن تكون واضحًا. يمكنك أن تجمع بينهما في المحادثة نفسها.

والأبحاث حول ما يجعل الاعتذار فعّالًا فعلًا متّفقة بشكل لافت على هذه النقطة. فدراسة أشرف عليها Roy Lewicki في Ohio State قسّمت الاعتذار إلى ستة عناصر، ووجدت أن أهمها على الإطلاق هو الاعتراف بالمسؤولية، أي تسمية ما فعلتَه ببساطة ووضوح، من دون وسادة من الأعذار. ويختصرها Greater Good Science Center في Berkeley إلى ثلاث خطوات: أن تقول إنك آسف حقًا، وأن تُظهر فهمك للأثر الذي تركتَه، وأن تعرض تصحيح الأمر. ولاحظ ما الذي لم يرد في أيٍّ من القائمتين. فالاعتذار الجيد لا يتطلّب في أي مكان أن تعترف بأن الحدّ نفسه كان خطأً.

إذن، يمكن أن يبدو الإصلاح على هذا النحو:

  1. اعترف بطريقة إيصالك تحديدًا. لا تقل "آسف إن كنتَ قد انزعجت." جرّب بدلًا من ذلك: "لقد رفعتُ صوتي وقلتُ شيئًا لا أؤمن به فعلًا. لم يكن ذلك عادلًا تجاهك، وأنا آسف." سمِّ السلوك الفعلي. فالاعتذارات الغامضة تبدو مزيّفة.
  2. أظهر أنك تفهم الأثر. "أرى أن الأمر بدا وكأنني أهاجمك، لا وكأنني أطلب شيئًا فحسب." وهذا هو الجزء الذي يتجاهله الكثيرون، وهو نفسه الجزء الذي يسمح للطرف الآخر بالاسترخاء.
  3. أعِد صياغة الحدّ، بلطف ومن دون نقصان. "ما كنتُ أحتاجه لا يزال قائمًا. لا يمكنني الاستمرار في تلقّي مكالمات حول هذا الأمر بعد الساعة التاسعة مساءً. أريد فقط أن أطلب ذلك من دون أن أنقضّ عليك." الحدّ نفسه، من دون درع.
  4. اترك مساحة لوجهة نظرهم. الإصلاح دعوة، لا حُكم. اسأل كيف شعروا من موقعهم، واستمع فعلًا. يمكنك أن تتمسّك بموقفك وأن تتقبّل في الوقت نفسه أنك جرحتَ شخصًا كان يتمسّك بموقفه هو أيضًا.

هذه الخطوة الثالثة هي بيت القصيد. فالاعتذار يغطّي طريقة قولك للأمر. أما الحدّ فيبقى تمامًا في مكانه. ويمكن للناس في الغالب تقبّل الأمرين معًا، لأنهم في معظم الأحيان لم يكونوا يعترضون على حاجتك أصلًا. بل كانوا يتفاعلون مع الازدراء الذي غلّفها.

إذا اعترضوا على الحدّ نفسه

أحيانًا تعتذر بصدق، لكن الطرف الآخر يحاول استغلال ذلك كثغرة، معتبرًا اعتذارك دليلًا على أن الحدّ نفسه كان غير معقول أيضًا. اثبت على موقفك. "قصدتُ بالاعتذار طريقة كلامي. ما زلتُ بحاجة إلى ما طلبتُه." يمكنك أن تكون دافئًا وثابتًا في الجملة نفسها. فالاعتذار عن نبرتك ليس اعترافًا بأن احتياجاتك قابلة للتفاوض.

متى لا يكون الإصلاح عبئًا عليك وحدك؟

بضع ملاحظات صريحة، لأن هذه النصيحة لها حدود.

إذا كانت العلاقة من النوع الذي يُعاقَب فيه المرء أو يُسخَر منه أو يُحوَّل الأمر ليصبح هو المشكلة في كل مرة يذكر فيها أي حدّ، فالمشكلة ليست في طريقة إيصالك. وأنماط متكررة كهذه تستحق أن تُعرَض على معالج نفسي، يمكنه مساعدتك على رؤية ما يجري بوضوح، ومعرفة ما هو مطلوب منك فعلًا وما ليس كذلك. فليس كل حدّ خشن خطأً تحتاج إلى إصلاحه. فبعضها قد يكون أول كلام صادق قلته منذ زمن طويل.

وإذا كانت القسوة التي تقلقك موجودة في علاقة تشعر فيها بالخوف، حيث قد يعرّض وضع أي حدّ سلامتك للخطر، فرجاءً تعامل مع ذلك بوصفه حالة قائمة بذاتها. فهذه ليست مشكلة تواصل يمكن تجاوزها بالتلطيف. وطلب المساعدة هنا حكمة لا ضعف، ولستَ مضطرًا لحلّ الأمر وحدك.

أما في الحالة العادية، حيث تحبّ شخصًا ما وقد كنتَ حادًّا معه وتريد العودة إليه من دون التخلّي عن موقفك، فالطريق أضيق وألطف مما يبدو الآن. تعود إليه. تعتذر عن الحدّة، لا عن الحدّ. وتحافظ على الحدّ. ومعظم الناس، حين تمنحهم ذلك، سيلتقونك في منتصف الطريق، وتعود العلاقة أكثر صدقًا قليلًا مما كانت عليه.

المصادر