نعامل النوم وكأنه أول شيء يمكن التضحية به. هناك دائماً رسالة إلكترونية أخرى، وحلقة أخرى، وسبب آخر للسهر. والجسد يدفع ثمن تلك الساعات المقتَرَضة بصمت، وعادة ليس دفعة واحدة، وهذا بالضبط ما يجعل الاستمرار في الاقتراض أمراً سهلاً.
من المفيد أن تعرف ما الذي تتنازل عنه فعلاً. النوم ليس وقت فراغ. إنه من أهم الأعمال التي يقوم بها جسدك، ولا يمكنه القيام بها إلا وأنت غائب عن الوعي.
قلبك يحصل على راحة لا يجدها بأي طريقة أخرى
أثناء النوم الطبيعي، ينخفض ضغط دمك. هذا الانخفاض الليلي راحة حقيقية لجهازك الدوري، ساعات يعمل فيها قلبك وأوعيتك الدموية بيسر. وتشير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) إلى أنه عندما يتعطل النوم، يبقى ضغط الدم مرتفعاً لفترة أطول مما ينبغي، ومع الوقت يُتعب ذلك الجهاز بأكمله.
وينعكس هذا النمط في الأرقام. البالغون الذين ينامون بانتظام أقل من سبع ساعات أكثر عرضة للإبلاغ عن مشكلات صحية خطيرة، منها النوبات القلبية. فالنوم هو الوقت الذي يلتئم فيه قلبك وأوعيتك الدموية ويصلحان نفسيهما. وإذا حرمت جسدك من قدر كافٍ منه، فأنت تحرمه من فرصة الإصلاح.
دفاعاتك تقوم بجولاتها ليلاً
هناك سبب وراء رغبتك الشديدة في النوم حين تشعر بدنو المرض. فجهازك المناعي يقوم بجزء كبير من عمله وأنت مستريح، وتنشط بعض أجزائه في أوقات معينة، منها وقت النوم. وحين تكون قليل النوم باستمرار، لا يستجيب دفاع الجسد ضد الجراثيم كما ينبغي، فتصبح أكثر عرضة للإصابة بأي عدوى منتشرة حولك.
فالليلة التي تسهرها لتنجز عملاً إضافياً غالباً ما تكون الليلة التي تفتح فيها الباب أمام نزلة البرد المنتشرة في مكتبك. الراحة ليست مكافأة على كونك سليماً، بل جزء من كيفية بقائك كذلك.
الجوع ونسبة السكر في الدم يتغيران بصمت
قلة النوم تشد الهرمونات التي تتحكم بالشهية. وبحسب المعهد الوطني للقلب والرئة والدم (NHLBI)، حين لا تحصل على قسط كافٍ من النوم، يرتفع مستوى هرمون الغريلين (الذي يقول "كُل") بينما ينخفض مستوى الليبتين (الذي يقول "لقد شبعت"). والنتيجة أنك تصبح في اليوم التالي أكثر جوعاً، وغالباً تميل إلى الكربوهيدرات السريعة والثقيلة، وليس بسبب ضعف إرادتك. فكيمياء جسدك هي التي مالت بالميزان طوال الليل.
كما تدفع قلة النوم مستوى السكر في الدم إلى الارتفاع. ويشير المعهد الوطني للقلب والرئة والدم إلى أن نقص النوم قد يترك لديك مستوى سكر في الدم أعلى من الطبيعي، ما قد يرفع مع الوقت خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني. ولا شيء من هذا يحدث بعد ليلة سيئة واحدة. بل يتراكم أسبوعاً بعد أسبوع، نتيجة نمط من قلة النوم المستمرة.
كم يكفي من النوم؟
بالنسبة لمعظم البالغين، الهدف هو سبع إلى تسع ساعات في الليلة، وتربط الأبحاث بين مدى السبع إلى الثماني ساعات وانخفاض خطر السمنة وارتفاع ضغط الدم. وإذا بدا لك هذا الرقم بعيد المنال الآن، فأنت لست وحدك، والهدف ليس الكمال.
الخطوات الصغيرة والثابتة تنجح عادة أكثر من التغيير الجذري المفاجئ.
- حافظ على موعد استيقاظ ثابت تقريباً، حتى في عطلة نهاية الأسبوع. فالإيقاع الثابت أسهل على جسدك من الاعتماد فقط على موعد نوم محدد.
- امنح نفسك وقتاً للاسترخاء قبل النوم. خفّف الإضاءة وضع الهاتف جانباً قبل النوم بثلاثين إلى ستين دقيقة.
- انتبه لما تتناوله في وقت متأخر من اليوم. فالكافيين يبقى في جسدك لساعات، والكحول يقطّع النصف الثاني من ليلتك حتى وإن ساعدك على النوم في البداية.
- احصل على قسط من ضوء النهار في الصباح. فهذا يساعد على ضبط ساعتك الداخلية التي تخبرك متى تشعر بالنعاس لاحقاً.
لست مضطراً لإصلاح كل هذا دفعة واحدة. اختر واحداً منها فقط. حافظ عليه لبضعة أسابيع. ودع الانتصارات السهلة تتراكم قبل أن تنتقل إلى ما هو أصعب.
متى يتجاوز الأمر مجرد جدول مزدحم؟
أحياناً لا تكون المشكلة في خياراتك، بل أن النوم لا يأتي أو لا يستمر. فإذا كنت تستلقي مستيقظاً باستمرار رغم محاولاتك الحقيقية، أو تستيقظ منهكاً مهما طالت مدة نومك، أو تشخر بصوت عالٍ وتلهث أو ينقطع تنفسك أثناء النوم (وهي علامة على انقطاع النفس النومي)، أو تشعر بأن أيامك تضيق تحت وطأة الإرهاق، فهذا أمر يستحق الحديث عنه مع طبيب. هذه مشكلات شائعة وقابلة للعلاج غالباً، ولست مضطراً لمواجهتها وحدك بصمت.
كما ترتبط مشكلات النوم المستمرة ارتباطاً وثيقاً بالمزاج. فسوء النوم قد يعمّق القلق والمزاج المنخفض، والقلق والمزاج المنخفض بدورهما يفسدان النوم، في حلقة يصعب كسرها بمفردك. وإذا شعرت أن هذا هو حالك، فإخبار طبيب أو معالج نفسي من أكثر الخطوات العملية التي يمكنك اتخاذها لصالح جسدك وعقلك معاً.
الساعات التي تمنحها للنوم ليست ضائعة. إنها الساعات التي تُنجز فيها عملية الإصلاح التي تجعل بقية حياتك تسير كما ينبغي.
المصادر
- المعهد الوطني للقلب والرئة والدم (NIH)، كيف يؤثر النوم على صحتك
- مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، حول النوم وصحة قلبك