هناك نوع معيّن من الشعور بالذنب يظهر حوالي الساعة الحادية عشرة مساءً. أنت تتصفّح هاتفك، نصف نائم، وفجأة يطفو اسم أمامك. صديق كنت تنوي أن تعاود الاتصال به. منذ ثلاثة أسابيع. ربما شهرين. تفكّر في إرسال رسالة، ثم تفكّر في طول المدة، وتبدأ الفجوة نفسها تبدو وكأنها شيء عليك أن تبرّره. فلا تفعل. تضع الهاتف جانبًا. ويطول الصمت يومًا آخر.
هكذا تتلاشى معظم الصداقات. ليس بشجار. بل بتراكم بطيء من المحاولات التي لم تكتمل.
إن كنت تمر بفترة كهذه الآن، وظيفة جديدة، طفل حديث الولادة، والد مريض، انتقال إلى مكان جديد، موسم بالكاد تستطيع فيه أن تطعم نفسك، فهذا النص لك. الهدف هنا ليس أن تصبح صديقًا أفضل بمعنى مثالي ومجرّد. الهدف أصغر بكثير. أن تمنع بعض العلاقات الجيدة من الانطفاء بصمت بينما أنت مشغول بالنجاة.
لماذا تكون الصداقات أول ما يتراجع؟
فكّر فيمن له حق في وقتك. عملك سيراسلك. أطفالك سيجدونك. صاحب العقار، بريدك الإلكتروني، جسدك حين يمرض، كل هذه الأمور لديها أجراس إنذار تدق سواء اهتممت بها أم لا.
الصداقة لا جرس إنذار لها. لن يرسب أحد في صف دراسي لأنك لم ترسل له رسالة. لا غرامة تأخير عليها. الصداقة الجيدة صبورة ومتسامحة، وهذا بالضبط ما يجعل من السهل تأجيلها، أسبوعًا بعد أسبوع، حتى يتحوّل "لاحقًا" بصمت إلى "أبدًا".
وثمن ذلك حقيقي، حتى لو كان غير مرئي يوميًا. دراسة هارفارد لتطور البالغين (Harvard Study of Adult Development) تابعت المجموعة نفسها من الناس لأكثر من ثمانين عامًا، ونتيجتها الأوضح بسيطة إلى حد يثير الدهشة: أكثر الناس صحةً وسعادةً في تقدّم العمر هم أصحاب العلاقات الدافئة. ليسوا الأكثر ثراءً. ولا الأكثر إنجازًا. وقد صرّح القائمون على تلك الدراسة بوضوح: الوحدة، مع الوقت، قاسية على الجسد بقدر التدخين. صداقاتك ليست رفاهية ستعود إليها لاحقًا. هي أقرب إلى علامة حيوية لصحتك.
طريقة ألطف للتفكير في "البقاء على تواصل"
يحمل معظم الناس معيارًا خفيًا وقاسيًا لما يعنيه أن تكون صديقًا جيدًا. مكالمات طويلة. تذكّر كل عيد ميلاد. حضور دائم. وبمقارنة نفسك بهذا المعيار في موسمك المزدحم، ستشعر دومًا أنك مقصّر، فيصبح تجنّب الأمر كله أسهل من مواجهة هذا الحكم.
تخلَّ عن هذا الحكم. الصداقة لا تبقى حيّة بالإيماءات الكبيرة. بل تبقى حيّة بإشارات صغيرة، بسيطة الجهد، تقول *ما زلتَ في بالي* بتكرار كافٍ يمنع الخيط من الانقطاع كليًا. السقف أقل بكثير مما تظن، ومن يحبونك لا يضعون لك علامات.
وهنا الجزء المطمئن، مدعومًا بأرقام حقيقية. الباحث جيفري هول (Jeffrey Hall) من جامعة كانساس درس كيف تتشكّل الصداقات ووجد أن الأمر يستغرق نحو مئتي ساعة من الوقت المشترك لبناء صداقة وثيقة من الصفر. يبدو هذا مرهقًا، إلى أن تعكس النظرة. الصداقة التي أمضيت فيها بالفعل مئات الساعات لها جذور عميقة. تستطيع أن تصمد أمام فترة جفاف. أنت لا تبدأ من الصفر مع صديق قديم. أنت تعتني بشيء قوي بالفعل، وهذا يحتاج جهدًا أقل بكثير من بنائه من الأساس.
خطوات صغيرة تحافظ فعلًا على الصداقة
هذه مصمَّمة لمن لا وقت فراغ لديهم. لا شيء منها يحتاج أمسية خالية.
- أرسل إشارة بسيطة الجهد. صورة مضحكة، أغنية، صورة ذكّرتك به، رسالة صوتية من سطرين وأنت في السيارة. لا تحمل معلومات تُذكر، لكنها تحمل معنى هائلًا: كنت أفكر فيك. هذا كل المطلوب. لست مدينًا له بفقرة كاملة.
- اذكر الفجوة بدل أن تختبئ منها. غالبًا ما يمنعك عن الكلام هو الحرج من طول المدة. فقلها ببساطة. "كنت غارقًا في مشاغلي وأشتاق إليك" تكفي جملة واحدة لنزع فتيل كل الحرج. الأصدقاء الحقيقيون لا يريدون اعتذارًا. يريدون فقط أن يسمعوا منك.
- اجمع الصداقة مع شيء تفعله أصلًا. خذ المشي الذي تحتاجه أصلًا، لكن على الهاتف مع صديق. اطوِ الغسيل وأنت تتحدث معه. ادعُ أحدهم لمرافقتك في السوق. التواصل لا يحتاج وقتًا منفصلًا خاصًا به. يمكن أن يرافقك في مهامك.
- خفّض سقف ما يُحتسب "لقاء". قهوة لربع ساعة تُحتسب. مهمة مشتركة تُحتسب. لست مضطرًا لاستضافة عشاء. وخدمة الصحة الوطنية البريطانية (NHS)، في إرشاداتها العامة عن الوحدة، تشير بالضبط إلى هذه الأفعال الصغيرة، رسالة سريعة، نزهة، كوب شاي، بوصفها ما يعيد الناس فعليًا إلى بعضهم.
- اجعل شيئًا واحدًا تلقائيًا. اختر إيقاعًا متكررًا واحدًا، رسالة يوم الأحد، مكالمة شهرية مع شخص واحد، موعد مشي ثابت، واحمِ ذلك كما تحمي موعدًا طبيًا. إيقاع واحد موثوق يحافظ على الصداقة أفضل من عشر نوايا صادقة لم تتحقق أبدًا.
ماذا لو كنت أنت من تُرِك؟
أحيانًا لا تكون أنت المشغول. بل أنت من يحدّق في محادثة بردت، متسائلًا إن كنت قد أخطأت بشيء.
عادةً لم تخطئ. معظم الصمت يتعلق بقدرة الطرف الآخر، لا بمشاعره تجاهك. الناس في الفترات الصعبة يميلون للانسحاب من الجميع، ثم يشعرون بخجل شديد من المسافة التي خلقوها بحيث يصعب عليهم كسرها من جديد. إن ابتعد صديق بصمت، فرسالة قصيرة بلا ضغط قد تكون هدية حقيقية: "لا داعي للرد، فقط كنت أفكر فيك وأتمنى أن تكون بخير." أنت بذلك تفتح له بابًا سهل العبور، بلا أي التزام.
ومن العدل أيضًا أن تحمي نفسك. إن كنت دائمًا من يبادر، ولا يأتيك شيء بالمقابل لفترة طويلة، فمن حقك أن تشعر بثقل ذلك، وأن توجّه طاقتك المحدودة نحو من يقابلها بمثلها. الاهتمام بصداقة عمل كريم. أما الاهتمام بطريق باتجاه واحد حتى تنهك نفسك، فذلك أمر مختلف تمامًا.
متى يكون الأمر أثقل من مجرد موسم مزدحم؟
هناك فرق بين *أنا مثقل بالمشاغل وسيئ في إرسال الرسائل* وبين *لا أستطيع أن أدفع نفسي للتواصل مع أحد، ولم أستطع منذ مدة.*
إن بدأ التواصل مع الناس يبدو مستحيلًا، إن كنت تبتعد عن الجميع، إن تحوّلت الوحدة إلى ثقل يجثم على صدرك معظم الأيام، فهذا يستحق أن يُعامَل كأكثر من مجرد مشكلة جدولة. العزلة المستمرة والمزاج المنخفض الثقيل الذي يدوم قد يكونان من علامات الاكتئاب، وهذا ليس أمرًا يُفترض أن تعالجه وحدك بإرسال المزيد من الصور المضحكة. يمكن لطبيب أو معالج نفسي أن يساعد، وطلب هذا النوع من الدعم من أكثر الأفعال احترامًا للذات. وإذا شعرت في أي لحظة أن الأمور غير آمنة فعلًا أو لا تُحتمل، فلا تنتظر، تحدّث إلى أحد اليوم.
أما لبقيتنا، في زحمة شهر صعب عادي، فتمسّك بهذه الحقيقة الصغيرة الكامنة خلف كل هذا. الصديق الذي تنوي دائمًا أن ترسل له رسالة على الأرجح لا يحسب عليك شيئًا. هو فقط يتمنى أن يسمع منك. الفجوة تبدو أكبر من داخل رأسك مما هي عليه من عنده. رسالة قصيرة واحدة الليلة عادةً كل ما يلزم لتكتشف ذلك.
المصادر
- Harvard Gazette، Over nearly 80 years, Harvard study has been showing how to live a healthy and happy life
- University of Kansas، Study reveals number of hours it takes to make a friend
- NHS، Loneliness - Every Mind Matters