هناك نوع معيّن من الأيام القلقة يكون فيها آخر ما تريد فعله هو الرياضة. الأفكار صاخبة، وصدرك منقبض، وفكرة التمرين تبدو وكأنك تطلب من شخص يغرق أن يسبح لمسافات طويلة. نتفهّم ذلك تمامًا. فلنكن صريحين من البداية: لا أحد يهدأ لمجرد أن قيل له اذهب واركض.
ومع ذلك. الحركة من الأشياء القليلة التي تُخفّض فعلًا حدّة القلق، وتنجح سواء شعرت برغبة في فعلها أم لا. لست بحاجة لأن تؤمن بها. كل ما عليك هو أن تتحرّك قليلًا، وتترك جسدك يكمل الباقي.
لماذا تُهدّئك الحركة فعلًا؟
القلق يسكن الجسد بقدر ما يسكن العقل. يتسارع قلبك، تتشنّج عضلاتك، وترتفع هرمونات التوتّر مثل الأدرينالين والكورتيزول. الرياضة تصل إلى هذه الطبقة الجسدية مباشرة. يصف موقع Harvard Health النشاط الهوائي المنتظم بأنه يدرّب جهاز التوتّر في جسدك على إفراز كمية أقل من هذه الهرمونات استجابةً للضغوط اليومية، فينخفض مع الوقت مستوى التوتّر الخلفي الذي تشعر به باستمرار.
وهناك أثر أسرع أيضًا. تدفع الرياضة الدماغ إلى إفراز الإندورفين، وهي المواد الكيميائية المسؤولة عن ذلك الشعور بالراحة والانفراج بعد مشي جيد أو مجهود شاق. الحركة الإيقاعية المتكررة التي تستخدم مجموعات عضلية كبيرة، كالمشي والهرولة وركوب الدراجة والسباحة، تعمل بشكل ممتاز خصوصًا. يصفها أحد أطباء Harvard بـ"التأمل العضلي"، والوصف دقيق. فانتباهك يتبع خطواتك بدلًا من مخاوفك.
جولة حركة واحدة قد تُخفّف القلق وهو يحدث، لا في المدى الطويل فقط.
الأدلّة هنا ثابتة، لا مبهرة. مراجعات دراسات الرياضة تُظهر انخفاضًا مستمرًا في أعراض القلق عبر مجموعات مختلفة جدًا من الناس. إحدى الدراسات الكبيرة التي يستشهد بها Harvard وجدت أن من يمارسون الرياضة الشاقة بانتظام كانوا أقل عرضة بشكل ملحوظ للإصابة باضطراب القلق في السنوات التالية. وبالنسبة لبعض الناس، تعمل الحركة المنتظمة بفعالية تقارب فعالية الدواء في الأعراض الخفيفة إلى المتوسطة. وهذا ليس سببًا لإيقاف أي علاج تتلقاه. بل سبب لأخذ فكرة المشي على محمل الجدّ.
ماذا يعني "الكفاية" فعلًا؟
هنا يأتي الجزء المريح. أنت على الأرجح تحتاج أقل مما تظن.
الهدف الصحي العام للبالغين هو نحو 150 دقيقة من النشاط المعتدل أسبوعيًا، أشياء كالمشي السريع، إضافة إلى يومين من تمارين تقوية العضلات. هذا رقم للمدى الطويل ولصحة جسدك ككل. أمّا للتعامل مع القلق في لحظته، فالسقف أقل بكثير. مجرد نزهة مشي لمدة 20 دقيقة قد تُصفّي ذهنك وتُخفّف الضغط. وحتى بضع دقائق من الحركة تبدأ بتغيير كيمياء جسدك.
فحين تشعر بالقلق، لا تبحث عن التمرين المثالي. ابحث عن أصغر خطوة صادقة يمكنك القيام بها:
- مشية حول الحي، أو حتى إلى نهاية الشارع والعودة.
- خمس دقائق من التمدّد أو هزّ ذراعيك وكتفيك.
- بضعة طوابق من السلالم، بسرعة تكفي لتلاحظ أنفاسك.
- الرقص على أغنية واحدة في مطبخك.
الشدة أقل أهمية مما تتخيّل. الدراسات التي تقارن الرياضة الخفيفة بالشاقة تميل إلى إيجاد فائدة للقلق في الحالتين، وهذا يعني أن بإمكانك اختيار ما تستطيع فعله اليوم فعلًا. في يوم صعب، القليل السهل أفضل من الطموح الذي لن يتحقق.
التعامل مع قلقك، لا مقاومته
هناك أمور قليلة تصنع الفرق بين حركة تُهدّئ وحركة تأتي بنتيجة عكسية.
انتبه لتشابه سرعة نبض القلب. الرياضة الشاقة تُسرّع نبضك وتنفّسك، وبالنسبة لبعض الناس تشبه هذه الأحاسيس نوبة الهلع بشكل مزعج. إن كنت كذلك، فهذا طبيعي ويستحق أن تعترف به. ابدأ بلطف، وسخّن جسدك تدريجيًا، ودع جسدك يتعلّم أن القلب المتسارع قد يعني فقط أنك تتحرّك. مع الوقت، قد يُخفّف هذا فعليًا خوفك من هذه الأحاسيس.
اخرج إلى الهواء الطلق إن استطعت. المشي في حديقة أو أي مساحة خضراء يميل إلى تهدئة الذهن أسرع من المشي نفسه في مكان مغلق. لست بحاجة إلى غابة. شارع مصطف بالأشجار يكفي.
خفّض سقف التوقعات عن قصد. الهدف ليس رقمًا قياسيًا شخصيًا ولا بطنًا مسطحًا. الهدف أن تشعر بعد ساعة أنك أقرب قليلًا لذاتك مما أنت عليه الآن. احكم عليه بهذا المقياس.
دعها تكون متكررة. الأثر المهدّئ يعتمد على الإيقاع، فأي حركة ثابتة ومتكررة تؤدي المهمة. لا تحتاج برنامجًا معقدًا.
متى تلجأ إلى ما هو أكثر؟
الحركة أداة جيدة فعلًا. لكنها ليست صندوق الأدوات كاملًا.
إن كان القلق يعرقل بانتظام نومك أو عملك أو علاقتك بمن تحب، أو إن كنت تعاني من نوبات هلع، أو قلق ملحّ لا تستطيع تهدئته، أو قلق يمنعك من القيام بأمورك العادية، فتحدّث من فضلك مع طبيب أو معالج نفسي. الرياضة تكمّل هذا النوع من الرعاية، ولا تحلّ محله. وإن كان لديك مرض في القلب، أو كنت حاملًا، أو أي مشكلة صحية تجعلك غير متأكد، استشر طبيبك قبل بدء أي نشاط جديد لتتحرّك بثقة لا بقلق.
الحاجة إلى أكثر من مجرد مشية ليست فشلًا في الإرادة. إنها معلومة عمّا تستحقه. في الأيام التي تستطيع فيها التحرّك، ولو قليلًا، دعها لطفًا صغيرًا تمنحه لجهاز عصبي يعمل بجهد إضافي.
المصادر
- Harvard Health، Can exercise help treat anxiety?
- Anxiety & Depression Association of America، Exercise for Stress and Anxiety
- Centers for Disease Control and Prevention، Adding Physical Activity as an Adult
- National Center for Biotechnology Information، A review of exercise interventions for reducing anxiety symptoms