الجولات الأولى من الجري تكون غالبًا غير أنيقة. أنفاسك عالية، وساقاك تشعران بالثقل، وفي مكان ما عند نهاية الشارع الثاني تبدأ بالتساؤل إن كان الجميع يجدون الأمر بهذه السهولة. والحقيقة أنهم لا يجدونه سهلاً، هم فقط بدؤوا قبلك.
والخبر الجيد هو أن الجري من أكثر الأشياء طبيعية بالنسبة لجسم الإنسان، وأنت تعرف كيف تفعله بالفعل. الشكل الصحيح للجري لا يعني أن تبدو كرياضي أولمبي، بل هو مجموعة من العادات الصغيرة التي تساعد جسمك على استيعاب الجهد بتوازن أكبر، فتنهي جريتك وأنت تشعر بالتعب الجيد لا بالإنهاك. وحين تتحرك أجزاء جسمك معًا بكفاءة، تستفيد أكثر من كل خطوة، وتترك للإصابات فرصًا أقل.
لنستعرض معًا ما يهم بالفعل، بدءًا من الأساس.
اجعل خطواتك أقصر وأسرع
إذا كنت ستغيّر شيئًا واحدًا فقط، فليكن هذا. يميل من يبدأون الجري إلى مدّ القدم إلى الأمام بعيدًا عن الجسم، والهبوط بقوة على الكعب مع تمديد الساق بالكامل. هذا المدّ الطويل يعمل كمكابح صغيرة في كل خطوة، ويرسل صدمة تصل إلى الركبة.
والحل هو أن تجعل خطواتك أقصر وأسرع قليلاً. يقيس المدرّبون هذا بما يسمى معدّل الخطوات (cadence)، وهو عدد الخطوات التي تخطوها في الدقيقة. يخطو معظم العدّائين ذوي الخبرة نحو 170 إلى 180 خطوة في الدقيقة، وتشير American College of Sports Medicine إلى أن رفع معدّل خطواتك حتى بقدر بسيط يمنح فوائد حركية حقيقية. وقد وجدت الأبحاث أن تقصير خطوتك بنحو عشرة بالمئة يمكن أن يقلل بشكل ملموس من الحمل الواقع على الركبة مع كل خطوة.
لا حاجة لأن تعدّ خطواتك. فقط فكّر في كلمتي "قصيرة وسريعة"، واهبط بخفة، واترك قدمك تلمس الأرض بالقرب من أسفل حوضك بدل أن تمتد بعيدًا أمامك.
دع قدمك تهبط بهدوء
إشارة مفيدة هي أن تجري بهدوء وحده. فإن كانت قدماك تصفعان الرصيف أو تدقّان عليه بصوت عالٍ، فأنت تهبط بقوة زائدة. اهدف إلى الهبوط بخفة، بحيث تلمس قدمك الأرض من منطقة أقرب إلى وسطها بدلًا من الارتطام بمقدمة الكعب. لا حاجة للانشغال كثيرًا بمسألة الهبوط على مقدمة القدم أو على الكعب، فالهدوء والخفة يقومان بمعظم المهمة عنك.
قف بشكل مستقيم، وانحنِ قليلاً إلى الأمام
تخيّل انحناءً خفيفًا إلى الأمام ينبع من جسدك كله، كشجرة تتمايل قليلاً مع الريح، لا انثناءً من الخصر. حافظ على رفع رأسك وعينيك موجهتين إلى الأمام، لا إلى حذائك. حيلة بسيطة هي أن تتخيل خيطًا يمرّ عبر عمودك الفقري ويخرج من أعلى رأسك، يرفعك نحو الأعلى. اسحب ذقنك للداخل قليلاً حتى لا تتقدّم رقبتك على باقي جسدك.
يجب أن تبقى كتفاك مرتخيتين ومنخفضتين. لاحظ إن كانتا قد ارتفعتا نحو أذنيك (وسيحدث هذا، خصوصًا عندما تتعب)، ودعهما تنزلان من جديد.
أرخِ ذراعيك
ذراعاك ليستا مجرد ملحق يتحرك بلا فائدة. حافظ عليهما مثنيتين بزاوية قريبة من القائمة، وحرّكهما إلى الأمام والخلف بجانبيك لا عبر صدرك. فعبور ذراعيك أمام جسدك يجعل جذعك يلتوي ويهدر طاقتك. حافظ على يديك مرتخيتين، كما لو كنت تحمل بلطف قطعة رقائق بطاطس لا تريد أن تكسرها.
تنفّس، وخفّف السرعة عند الحاجة
لا توجد طريقة مثالية واحدة للتنفس. تنفّس بالطريقة التي تشعر بأنها طبيعية لك، وإن كنت لا تزال قادرًا على قول بضع كلمات، فأنت تجري بسرعة معقولة. وحين يبدأ شكلك في الجري بالتراجع بسبب التعب، فهذه إشارتك لتخفّف إلى المشي لبعض الوقت. فالحركة المتعبة هي المكان الذي تتسلل منه كثير من الإصابات. استراحات المشي ليست غشًا، بل طريقة ذكية للحفاظ على شكل جري سليم لفترة أطول.
ابنِ قدرتك تدريجيًا
أكبر معروف يمكنك أن تقدّمه لجسمك هو زيادة المسافة التي تجريها تدريجيًا. وثمّة قاعدة شائعة في الطب الرياضي تقول بزيادة مسافتك أو مدّة جريك الأسبوعية بما لا يتجاوز عشرة بالمئة من أسبوع إلى آخر، مع الحفاظ على أيام راحة ضمن برنامجك حتى تحصل الأنسجة على وقت كافٍ للتعافي والتكيّف. ومعظم إصابات الجري المبكرة تأتي من فعل الكثير بسرعة زائدة، لا من خطوة واحدة خاطئة.
بعض الاحتياطات العملية:
- اخلط بين المشي والجري في البداية، فلا عيب في اعتماد فترات متبادلة من الجري والمشي.
- خذ يومًا أو يومين كاملين للراحة على الأقل كل أسبوع.
- استبدل حذاء الجري عندما تشعر بأن وسادته الداخلية فقدت مرونتها، لا عندما يبدو متسخًا فقط.
متى يجب أن تتحدث مع أحد؟
الشعور بألم عضلي خفيف بعد الجري أمر طبيعي، وغالبًا ما يخفّ في يوم أو يومين. أما الألم الحاد، أو الألم الذي يزداد مع الجري، أو التورم، أو الألم الذي يستمر لأيام، فهذا أمر مختلف. إنها إشارة لتقليل الجهد، وإن لم يتحسّن الأمر، فمن الأفضل مراجعة طبيب أو أخصائي علاج طبيعي. وإذا كنت تعاني من حالة قلبية، أو مشكلات في المفاصل، أو كنت حاملاً، أو بعيدًا عن الرياضة منذ وقت طويل، فمن المفيد التحدث بسرعة مع طبيبك قبل أن تبدأ. الجري يجب أن يجعلك تشعر بأنك أقرب إلى نفسك، لا أبعد عنها. ابدأ من حيث أنت، وخفّف من حدّة البداية، ودعه يتحول تدريجيًا إلى شيء تتحمّس لممارسته.
المصادر
- American College of Sports Medicine، عادات صحية لجري المسافات الطويلة
- Cleveland Clinic، 6 نصائح من الخبراء للوقاية من إصابات الجري
- Mayo Clinic Press، لتجنّب إصابات الجري، احذر هذه الأخطاء الشائعة