إن أحصيتَ الأمر بصدق، فالرقم يثير بعض القلق. تعمل أمام شاشة، وتتصفّح على شاشة، وتُنهي يومك أمام شاشة، وتغفو بجانب شاشة مضيئة. بالنسبة لكثيرين منا، يبدأ اليوم وينتهي بضوء جهاز إلكتروني، مع ساعات منه في المنتصف أيضاً.
هذا ليس درساً في قوة الإرادة، ولن نخبرك أن الشاشات تُدمّر حياتك. فهي وسيلتنا للعمل والتواصل والراحة. لكن الطريقة التي نستخدمها بها غالباً، فترات طويلة دون توقف، بوضعية منحنية وثابتة، حتى اللحظة التي نغمض فيها أعيننا، تُتعب الجسد كثيراً. والخبر السار أن الحلول بسيطة. لا داعي للتوقف تماماً. يكفي أن تُغيّر بعض العادات الصغيرة حول حافة يومك.
ماذا تفعل الأيام الطويلة أمام الشاشة بجسدك؟
ثلاثة جوانب تتحمّل العبء الأكبر: عيناك، سكون جسدك، ونومك.
تتعب عيناك وتجفّان. حين تحدّق في شاشة، تطرف عيناك أقل بكثير من المعتاد، والطرف هو ما يُبقي عينيك رطبتين. الجلسات الطويلة قد تترك لك ما يُسمّى إجهاد العين الرقمي: جفاف أو حكة في العينين، رؤية ضبابية، وصداعاً. تُقدّم الأكاديمية الأمريكية لطب العيون حقيقة مطمئنة هنا: إجهاد العين الرقمي مزعج، لكنه لا يُسبّب ضرراً دائماً لعينيك. إنه طلب عينيك للراحة، لا علامة على أذى حقيقي.
تتوقف عن الحركة. اليوم الطويل أمام الشاشة هو عادة يوم طويل من الجلوس. تربط الأبحاث كثرة الجلوس بارتفاع خطر أمراض القلب، والسكري من النوع الثاني، ومشكلات أخرى، وبعض هذا الخطر يبقى قائماً حتى لدى من يمارسون الرياضة. فالجسد ببساطة لم يُصمَّم ليبقى مطويّاً في كرسي لساعات متواصلة. الشاشة ليست الخصم. السكون هو الخصم.
ينهك نومك. الشاشات في الساعات الأخيرة من اليوم تعمل ضد نومك بطريقتين. الضوء، وخاصة الطيف الأزرق منه، قد يُثبّط هرمون الميلاتونين، الهرمون الذي يُخبر جسدك أن الليل قد حلّ، مما يُصعّب عليك الاستغراق في النوم. والمحتوى نفسه يُبقي عقلك مستيقظاً في الوقت الذي يحاول فيه أن يهدأ. لهذا السبب، ينصح الباحثون عموماً بتخفيف استخدام الشاشات في الساعات التي تسبق النوم.
تغييرات صغيرة تُحدث فرقاً حقيقياً
لست بحاجة لإعادة ترتيب حياتك بالكامل. اختر اثنتين من هذه العادات ودعهما تصبحان تلقائيتين.
امنح عينيك راحة منتظمة
أبسط عادة للعينين المتعبتين هي أن تنظر بعيداً كثيراً. من الأساليب الشائعة قاعدة 20-20-20: كل 20 دقيقة، انظر إلى شيء يبعد حوالي 20 قدماً لمدة 20 ثانية تقريباً. هذا يمنح عضلات التركيز في عينيك استراحة، ويُذكّرك بالطرف. وقد وجدت دراسات على هذا النوع من الاستراحات أنها تُساعد في تخفيف أعراض جفاف العين.
بعض العادات الأخرى الصديقة للعينين التي تقترحها الأكاديمية الأمريكية لطب العيون:
- اطرف عمداً بين الحين والآخر، خاصة إذا شعرت أن عينيك خشنتان.
- حافظ على مسافة مناسبة. اجلس على بُعد ذراع تقريباً، أي حوالي 25 إنشاً، من شاشتك، بحيث تنظر إليها بزاوية منخفضة قليلاً.
- اضبط سطوع الشاشة ليناسب إضاءة الغرفة. فالشاشة التي تُبهر في غرفة مظلمة، أو تبهت في غرفة مضيئة، تُتعب عينيك أكثر.
- قلّل الوهج من النوافذ والأضواء باستخدام ستارة، أو فلتر شاشة غير لامع.
- استخدم قطرات العين إذا جفّت عيناك خلال الفترات الطويلة.
قسّم فترات الجلوس
للأبحاث حول الجلوس جانب مُبشّر: تقسيمه يُساعد، وحتى الحركة الخفيفة تُحتسب. لست بحاجة لتمرين رياضي. أنت بحاجة لمقاطعة السكون.
- اضبط منبّهاً. مؤقّت أو تذكير في التقويم كل 30 إلى 60 دقيقة للوقوف.
- قف من أجل الأمور البسيطة. أجرِ المكالمات وأنت واقف. اقرأ مستنداً طويلاً وأنت واقف أو تتمشّى.
- امشِ مسافة قصيرة. جولة لملء كوب الماء، صعود ونزول الدرج، دقيقتان في الخارج بين المهام.
- تمدّد في مكانك. دوّر كتفيك، مدّد ظهرك، ارفع ذراعيك للأعلى. هذا يُعيد ضبط وضعيتك وتركيزك في آن واحد.
لا شيء من هذا دراماتيكي، وهذا بالضبط المقصود. توجيهات الصحة العامة تزداد وضوحاً في أن استبدال بعض وقت الجلوس بأي حركة، مهما كانت خفيفة، مفيد لك. السرّ يكمن في التكرار، لا في الشدّة.
احمِ الساعة الأخيرة قبل النوم
إن غيّرتَ شيئاً واحداً، فليكن هذا: طقس الاسترخاء قبل النوم. حاول تخفيف الشاشات المضيئة في الساعة أو الساعتين قبل النوم، وأبقِ هاتفك بعيداً عن متناول يدك بحيث لا يكون التحقق منه أول ما تفعله أو آخره. بعض البدائل الألطف لتلك الفترة الأخيرة: خفّف الإضاءة، اقرأ شيئاً ورقياً، تمدّد بلطف، أو دع عينيك ترتاحان على شيء غير موجز الأخبار المستمر.
إن لم يكن الابتعاد التام عن الشاشات قبل النوم واقعياً، خفّف سطوع شاشتك، استخدم إعداد إضاءة ليلية أدفأ، واختر محتوى هادئاً بدلاً من شيء يُثيرك أو يجرّك إلى تصفّح لا ينتهي. خفّف التحفيز، حتى لو لم تستطع إزالة الشاشة تماماً.
اجعل الأمر عن الإضافة، لا الحذف فقط
إليك طريقة أرق للتفكير في كل هذا. محاولة تقليل استخدام الشاشات بمحض ضبط النفس أمر مرهق وغالباً لا يدوم. غالباً ما ينجح أكثر أن تُضيف أشياء جيدة تُزاحم الشاشات بشكل طبيعي. نزهة قصيرة بعد العشاء. حديث حقيقي. هواية تُشغل يديك. وقت في الخارج، حيث لا شيء تتصفّحه. حين يمتلئ باقي يومك أكثر، تتراجع مساحة الشاشة بهدوء دون صراع.
وامنح نفسك بعض التسامح. بعض المواسم تكثر فيها الشاشات، مشروع كبير، أسبوع صعب، فترة طويلة من الحاجة إلى المواساة. هذا إنسانيّ. الهدف لم يكن أبداً الصفر. الهدف جسد يستطيع أن يتحرّك، وعينان تستطيعان أن ترتاحا، وعقل يستطيع أن يهدأ ليلاً.
متى يستحق الأمر نظرة أعمق؟
معظم إجهاد الشاشات يخفّ حين تُغيّر العادات المحيطة به. لكن انتبه إن لم يهدأ شيء ما. ألم العين أو تغيّرات الرؤية التي تستمر أو تزداد سوءاً، تستحق مراجعة طبيب عيون بدلاً من نسبها للشاشات فقط. صعوبة النوم المستمرة، رغم روتين مسائي أهدأ، تستحق حديثاً مع طبيبك. وإن لاحظت أن اللجوء إلى الشاشة أصبح طريقتك الرئيسية للتعامل مع التوتر أو المزاج المنخفض، أو أنها تسحبك بعيداً عن النوم والناس والأشياء التي تهمّك، فهذا يستحق حديثاً مع مختص. ليس كإخفاق منك، بل كعلامة على أنك تستحق دعماً أكبر مما يمكن لشاشة أن تمنحه.
ابدأ بخطوة صغيرة الليلة. خفّف الإضاءة قبل موعد نومك بساعة، ودع عينيك ترتاحان قبل أن تنام.
المصادر
- الأكاديمية الأمريكية لطب العيون، Computers, Digital Devices and Eye Strain
- المكتبة الوطنية الأمريكية للطب (PMC)، The 20/20/20 rule: Practicing pattern and associations with asthenopic symptoms
- المكتبة الوطنية الأمريكية للطب (PMC)، Targeting Reductions in Sitting Time to Increase Physical Activity and Improve Health