في مكان ما على الطريق، تحوّل شرب الماء إلى مشروع قائم بذاته. صارت هناك أباريق عليها علامات لكل ساعة، وتطبيقات تُصدر تنبيهات، ومؤثّرون يُصرّون على ضرورة شرب غالون كامل من الماء يوميًا. وبالنسبة لأمر ظلّ جسدك يتولّاه بنفسه طوال حياتك، أصبح كل هذا صاخبًا جدًا.
نودّ أن نخفّض هذا الصخب قليلًا. فجسدك بارع حقًا في تنظيم كمية الماء لديه. والعطش إشارة حقيقية، وهو يعمل جيدًا لدى معظم الأصحّاء. الهدف هنا ليس الوصول إلى رقم سحري، بل أن تشعر بالصفاء والثبات والعافية، من دون أن يتحوّل الأمر إلى وظيفة إضافية.
من أين جاءت قاعدة "الأكواب الثمانية"؟
النصيحة الشهيرة بشرب ثمانية أكواب من الماء يوميًا أقرب إلى الموروث الشعبي منها إلى العلم. فلا توجد أبحاث قوية تدعم هذا الرقم بالتحديد، وهي تُغفل جزءًا كبيرًا من الصورة: أنت تحصل على الماء من مصادر أكثر بكثير من زجاجتك.
تقدّم الأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب مرجعًا أكثر واقعية. إذ تقترح كمية كافية من السوائل يوميًا تبلغ نحو 13 كوبًا للرجال و9 أكواب للنساء. لكن هنا يكمن التفصيل الذي يغيّر كل شيء. هذا المجموع يشمل كل السوائل، وليس الماء الصافي فقط، وحوالي خُمسه يأتي من الطعام.
إذن الصورة أقل إثارة للقلق مما تبدو عليه. وتشير Harvard Health إلى أنّ الحاجة الفعلية للماء الصافي لدى كثير من البالغين الأصحّاء تقترب أكثر من أربعة إلى ستة أكواب يوميًا، لأن الباقي يصلك عبر كل ما تأكله وتشربه من أشياء أخرى.
الأمر لا يقتصر على الماء في كوب
هذا هو التفصيل الذي يبدّد معظم القلق بهدوء. فالترطيب يأتي من يومك كلّه، لا من زجاجة واحدة عليك أن تُفرغها.
للطعام دور حقيقي هنا. فالفواكه والخضروات في معظمها ماء. الخس، والخيار، والبطيخ، والبرتقال، والتوت، والطماطم، والحساء، والزبادي: كل هذا يضاف إلى رصيدك اليومي من الماء. طبق سلطة صيفية وقطعة فاكهة يرطّبانك أكثر مما تتخيّل.
وأما القلق القديم بشأن القهوة والشاي؟ فهو في معظمه مجرد خرافة. يشير كل من Harvard Health وباحثي التغذية في Harvard إلى أن المشروبات المحتوية على الكافيين تترك لديك في النهاية رصيدًا إيجابيًا من السوائل. صحيح أن الكافيين يدفعك قليلًا نحو الحمّام أكثر، لكنك تحتفظ بكمية من الماء أكبر بكثير مما تفقده. الشاي، والقهوة، والحليب، والمياه الغازية، والماء الموجود في وجباتك: كل ذلك يُحتسب ضمن المجموع.
يبقى الماء الصافي أنظف وأرخص وسيلة خالية من السكر لتعويض السوائل، فاجعله خيارك الأساسي. فقط تذكّر أنه لا يتحمّل المهمة وحده.
كيف تعرف حقًا أنك شربت ما يكفي؟
انسَ الحسابات. فجسدك يمنحك مؤشّرين بسيطين، وهما أكثر موثوقية من أي جدول حساب.
العطش. إشارة صادقة. فإن لم تكن تشعر بالعطش كثيرًا، فأنت على الأرجح بخير. اشرب رشفة عندما تشعر بالعطش، وقليلًا قبل أن تحتاج إليه في يوم حار أو مزدحم.
لون البول. قد يبدو هذا حديثًا مباشرًا بلا مواربة، لكنه أكثر الفحوصات عملية على الإطلاق. اللون الأصفر الفاتح الشاحب يعني أنك مرطّب جيدًا. أما اللون الأصفر الداكن فهو إشارة لتشرب المزيد. هذا هو الاختبار كله، ويمكنك إجراؤه من دون أي تطبيق.
وللجفاف الخفيف طريقة في التنكّر بمظهر مشكلات أخرى. يلاحظ باحثو التغذية في Harvard أنه قد يظهر على شكل تعب، أو صعوبة في التركيز، أو تشوّش في الذاكرة، أو صداع، أو مجرد نفاد صبر أكثر من المعتاد. لذا إن أصابك الفتور في فترة بعد الظهر، فكوب من الماء خطوة أولى منطقية تجرّبها قبل أن تلجأ إلى المزيد من القهوة.
متى يحتاج جسدك إلى المزيد؟
ترتفع الحاجة الأساسية في بضعة مواقف واضحة. لا يتطلّب أيّ منها جدول بيانات، بل قليلًا من الانتباه الإضافي فقط.
- الحرّ. الطقس الحار الرطب يجعلك تتعرّق أكثر، فتحتاج إلى تعويض المزيد.
- الرياضة. الحركة والتعرّق يعنيان شرب المزيد قبل التمرين وأثناءه وبعده. وفي المجهودات الطويلة والمُتعرِّقة، تفقد أملاحًا أيضًا، لذا قد تحتاج جلسة تحمّل طويلة إلى أكثر من الماء وحده.
- المرض. الحمّى، والقيء، والإسهال تسحب السوائل من جسدك بسرعة. وهنا يصبح السبق على العطش أمرًا مهمًا حقًا.
- الحمل والرضاعة. كلاهما يرفع احتياجك من السوائل.
- التقدّم في العمر. يميل الإحساس بالعطش إلى التراجع مع التقدّم في السن، لذا كثيرًا ما يحتاج كبار السن إلى الشرب وفق جدول منتظم لطيف بدلًا من انتظار الشعور بالعطش.
بضع عادات صغيرة تُجدي فعلًا
لا شيء من هذه العادات يتطلّب تتبّعًا. إنها أشياء تُرتّبها مرة واحدة ثم تنساها.
- احتفظ بالماء في متناول يدك: كوب على مكتبك، زجاجة في حقيبتك. فالسهولة أفضل من الانضباط الصارم.
- اربط الشرب بأشياء تفعلها أصلًا. كوب مع كل وجبة، وآخر عند تناول الدواء، وآخر حين تجلس للعمل.
- إن كان الماء الصافي مملًا بالنسبة لك، أضف إليه الليمون، أو الخيار، أو النعناع، أو رشّة من العصير. والمياه الغازية تُحتسب أيضًا.
- تناول ماءك مع طعامك. أدخِل بضعًا من الفواكه والخضروات في يومك وستكون قد رطّبت جسدك من دون عناء.
- اشرب قليلًا إضافيًا قبل أن تخرج إلى الحرّ أو تبدأ التمرين، لا بعد أن يشتدّ بك العطش فعلًا.
هل يمكن أن تشرب كمية زائدة؟
نعم، لكن ذلك نادر لدى معظم الناس ولا يستحق القلق. فالكليتان تتعاملان مع كمية مذهلة من السوائل.
يكمن الخطر الحقيقي في إجبار الجسد على استيعاب كمية كبيرة جدًا من الماء في فترة زمنية قصيرة، أسرع مما يستطيع الجسد التخلّص منه. وقد يؤدي ذلك إلى تخفيف نسبة الصوديوم في الدم، وهي حالة تُعرف باسم نقص صوديوم الدم، وهي خطيرة. وتظهر عادة لدى رياضيّي التحمّل الشديد الذين يفرطون في الشرب خلال السباقات الطويلة، وهذا جزء من سبب أن ضغط "غالون يوميًا" قد يأتي بنتيجة عكسية هنا تحديدًا.
وهناك نقطة منفصلة: بعض الحالات الصحية، ومنها مشكلات معيّنة في الكلى والقلب والكبد والغدة الدرقية، وبعض الأدوية، تغيّر الكمية المناسبة من السوائل بالنسبة لك. وإن سبق لطبيب أن طلب منك تحديد كمية السوائل، فاتّبع توجيهاته بدلًا من أي مقال عام، بما في ذلك هذا المقال.
أما بالنسبة لمعظم الناس، فالخلاصة الصادقة مطمئنة. اشرب حين تشعر بالعطش. ألقِ نظرة على اللون بين الحين والآخر. تناول فواكهك وخضرواتك، واستمتع بقهوتك، واشرب قليلًا إضافيًا في الحرّ أو أثناء الحركة. فجسدك يحافظ على توازنه بنفسه منذ البداية. كل ما يحتاجه منك غالبًا هو أن تتوقف عن الإفراط في التفكير وتقدّم له كوبًا من الماء.
المصادر
- Harvard Health Publishing، ما هي كمية الماء التي ينبغي أن تشربها؟
- Harvard T.H. Chan School of Public Health، The Nutrition Source، الماء
- Mayo Clinic، الماء: كم ينبغي أن تشرب يوميًا؟