تخطّي إلى المحتوى الرئيسي

حبّ يدوم · الشراكة

أسطورة «الشخص المنشود»: كيف يعمل الحب الدائم فعلًا

أسطورة "نصفك الآخر" هي إيمان بالقدر، بينما الحب الدائم يقوم فعليًا على إيمان بالنمو، يُبنى مع الوقت. فكرة أن هناك شخصًا واحدًا مثاليًا ينتظرك فكرة رومانسية ومطمئنة، لكنها تنخر الحبّ بهدوء. إليك ما تقوله الأبحاث فعلًا عمّا يُبقي الحب حيًا، ولماذا هذا خبر أفضل من القصة الخيالية.

رجل وامرأة يجلسان معًا على سرير

صورة بعدسة Omar Lopez على Unsplash

ربما شعرت بهذا الشدّ من قبل: أن هناك في مكان ما الشخص المناسب، من يتوافق معك دون احتكاك، من يجعل كل شيء سهلاً. ولذلك حين يصبح الحب صعباً، حين تجد نفسك أنت ومن تحبّه حقاً عالقَين في الخلاف نفسه مراراً، يبدأ صوت خفي يطرح السؤال الخطأ. ليس "كيف نُصلح هذا"، بل "ربما هذا الشخص ليس هو المنشود".

لهذا الصوت اسم في الأوساط البحثية. يسمّيه علماء النفس "الاعتقاد بالقدر"، وهو الافتراض الهادئ بأن شخصين إما مقدَّر لهما أن يكونا معاً أو لا، وأن العلاقة المناسبة ينبغي أن تسير بسلاسة من تلقاء نفسها. يبدو هذا الاعتقاد بريئاً. إنه من أكثر الأفكار شيوعاً عن الحب. لكنه، بالنسبة لكثيرين، يجعل الحب أصعب لا أسهل.

هذا ليس نقاشاً ضد الرومانسية، بل دعوة إلى نوع آخر منها، أكثر ثباتاً ومتانة.

طريقتان للإيمان بالحب

أمضى عالم النفس C. Raymond Knee وزملاؤه سنوات في دراسة القصص التي يحملها الناس عن علاقاتهم، ووجدوا أن هذه القصص تنقسم عادةً إلى معسكرين.

الأول هو "الاعتقاد بالقدر". من يميل إلى هذا التصوّر يرى التوافق شيئاً يُكتشف، كحقيقة ثابتة عن العلاقة: إما أن تكونا متوافقين أو لا. وأي احتكاك مبكر يُقرأ كإشارة تحذير، دليل على أن الاختيار ربما كان خاطئاً.

والثاني هو "الاعتقاد بالنمو". من يميل إلى هذا التصوّر يرى العلاقة شيئاً يُبنى مع الوقت. فالمشكلات ليست حكماً على مدى ملاءمتكما لبعضكما، بل هي الجهد الطبيعي الذي يبذله شخصان مختلفان في التعرّف على بعضهما.

معظمنا يحمل شيئاً من الاثنين معاً، لكن الجانب الذي نميل إليه، خصوصاً حين تضطرب الأمور، هو ما يحدّد خطوتنا التالية. وجدت أبحاث Knee أن أصحاب الاعتقاد بالنمو يميلون إلى التعامل مع الخلاف بشكل أكثر إيجابية، ويبقون أكثر التزاماً حتى حين يقصّر الشريك عن صورة مثالية، ويتحمّلون خيبات الأمل الحتمية بشكل أفضل. أما أصحاب الاعتقاد بالقدر، فهم أسرع في قراءة أي فترة عصيبة كدليل على عدم توافق جوهري، وأسرع في التفكير بالرحيل.

وهنا يكمن الفخ في قصة "التوأم الروحي": إنها تضع اختباراً لا يمكن للحب الحقيقي أن ينجح فيه أبداً. فالحب الحقيقي يعني شخصاً يمضغ طعامه بصوت مرتفع، ويختلف معك على درجة حرارة المكيّف، ويجرح مشاعرك أحياناً دون قصد. وإذا كان تعريفك الخاص لـ"الشخص المنشود" هو من لا يسبّب أي احتكاك أبداً، فستصل في النهاية إلى استنتاج أن الجميع أشخاص خطأ.

فماذا وجدت الدراسات الطويلة فعلاً؟

إن لم يكن التوافق هو السرّ، فما هو إذاً؟

للإجابة، يفيدنا أن ننظر إلى الأزواج الذين ينجحون في علاقتهم. أمضى الباحث John Gottman وزملاؤه عقوداً في مراقبة أزواج حقيقيين يتفاعلون داخل مختبر، ثم تابعوهم لسنوات ليروا من بقي معاً ومن انفصل. ومن خلال تلك التسجيلات، استطاعوا التنبؤ، بدقة مذهلة، بأي الزيجات ستدوم.

ما ميّز الأزواج الذين ازدهرت علاقتهم عن أولئك الذين تفرّقوا لم يكن مدى توافقهم الظاهري، ولا ندرة خلافاتهم، فحتى الأزواج المزدهرون كانوا يتشاجرون. الفارق كان في نسبة الدفء إلى الاحتكاك. ففي العلاقات المستقرة والسعيدة، كانت اللحظات الإيجابية تفوق السلبية بنسبة خمسة إلى واحد تقريباً، حتى في خضم الخلاف: محاولة للإصلاح، لمسة من الفكاهة، يد على الذراع، جملة بسيطة مثل "ربما تكون محقاً".

وصف Gottman نوعين من الشركاء: بعضهم يمسح علاقته بحثاً عمّا يستحق التقدير، ويقوله بصوت مسموع. وبعضهم الآخر يمسحها بحثاً عن الأخطاء، محتفظاً بحصيلة دائمة لما يقصّر فيه الشريك. النوع الأول يبني مخزوناً من النوايا الحسنة يحملهم عبر الفصول الصعبة، والثاني يستنزفه شيئاً فشيئاً.

لاحظ ما هو جذري بهدوء في هذا كله: لا شيء منه يعتمد على إيجاد شريك مثالي. إنها مجموعة من العادات، عادات يمكنك تعلّمها، مع شخص تحبّه بالفعل.

التفاصيل الصغيرة هي التفاصيل الكبيرة

ثمة اعتقاد مغرٍ بأن الحب يبقى حياً بفضل اللفتات الكبرى: الرحلة المفاجئة، الاعتذار الدرامي، الذكرى السنوية التي تثير غيرة الآخرين. لكن الأدلة تشير إلى شيء أكثر تواضعاً.

في مقال لمركز Greater Good Science بجامعة UC Berkeley، تصف الباحثتان في العلاقات Suzann Pileggi Pawelski و James Pawelski كيف يعتني الأزواج الذين تدوم علاقاتهم باللحظات العادية بفاعلية، بدل انتظار مشاعر كبرى تأتي من تلقاء نفسها. ومن أبرز ما توصّلا إليه استنتاج بسيط يستحق أن يُعلَّق على باب الثلاجة: الأزواج الذين يلاحظ فيهم كلا الطرفين ما يفعله الآخر بانتظام، ويعبّران عن تقديرهما له، هم أكثر احتمالاً بكثير للبقاء معاً.

وهنا يخطئ وهم "التوأم الروحي" الاتجاه: فهو يوهمك أن المهمة هي إيجاد الشخص المناسب، وأن الحب بعدها سيعتني بنفسه. لكن الدراسات تشير إلى أن الحب نفسه هو المهمة، ليس مهمة كئيبة خالية من الفرح، بل غالباً من النوع الصغير اليومي.

بعض الأمور التي تُحدث فرقاً حقيقياً:

  • تجاوب، لا تُعرض: حين يشير شريكك إلى طائر غريب في الخارج، أو يتنهّد أمام بريده الإلكتروني، فتلك دعوة صغيرة لانتباهك. رفع النظر والتجاوب، ولو للحظة، من أكثر الإيداعات موثوقية التي يمكنك تقديمها.
  • قل كلمة التقدير بصوت مسموع: فكرة "أنا محظوظ بوجوده" لا تفعل شيئاً إن بقيت حبيسة رأسك. الامتنان لا يُحتسب إلا حين يصل إلى الطرف الآخر.
  • تعامل مع الإصلاح كمهارة، لا كاستفتاء: بعد أي خلاف، السؤال المهم ليس من كان على حق، بل هل يمكنكما العودة إلى بعضكما بلطف. الأزواج الذين يُحسنون الإصلاح ليسوا خاليين من الخلافات، بل بارعون في لمّ الشمل من جديد.
  • افترض حسن النية ما استطعت: المهمة المنسية نفسها يمكن أن تُفسَّر بـ"إنه لا يهتم" أو "لقد مرّ بيوم قاسٍ". الشركاء ذوو عقلية النمو يميلون إلى اختيار التفسير الأكثر تسامحاً، وغالباً ما يكون هو الأقرب إلى الحقيقة.

أين يتركك هذا كله؟

إن كنت أعزب، فالخبر المُحرِّر هو أنك لست بصدد البحث عن شريك مثالي يجعل الحب بلا جهد. أنت تبحث عن شخص طيب، راغب، يسير في اتجاه قريب من اتجاهك، شخص تريد أن تبني معه. التوافق حقيقي، لكنه أشبه بأوراق البداية في لعبة، لا بضمانة نتيجتها. فاللعبة الحقيقية في كيفية لعبكما بها معاً.

وإن كنت في علاقة بالفعل، وذلك الصوت الصغير المتشكك يهمس بين الحين والآخر، فمن المفيد أن تعرف أن الشك نفسه ليس دليلاً على أنك اخترت خطأ. إنه سمة طبيعية لحب إنسان حقيقي عبر الزمن. والخطوة الأسلم غالباً هي أن تلتفت إلى علاقتك وتعتني بها، لا أن تستمر في مراجعة ما إذا كان هذا الشخص يرقى إلى صورة مثالية متخيَّلة.

وأحياناً تكون الإجابة الصادقة أصعب. فالاعتناء بعلاقة لا يعني تحمّل علاقة تؤذيك. إذا شعرت بالخوف من شريكك، أو بأنه يتحكّم بك، أو يقلّل من قدرك، أو لا تشعر بالأمان، فهذه ليست مشكلة "نمو" يمكنك التعامل معها وحدك، ولن تُصلحها أي قائمة تقدير مهما طالت. تلك لحظة للجوء إلى دعم حقيقي: شخص تثق به، أو معالج نفسي مرخّص للأزواج أو للأفراد، أو خط مساعدة سرّي. أن تريد لنفسك أكثر مما تمنحك علاقتك الحالية ليس فشلاً في الحب، بل قد يكون أكثر ما تفعله حباً لنفسك.

الأسطورة تعِد بشخص واحد مثالي. أما الحقيقة المتاحة فهي أفضل، ومتاحة لعدد أكبر بكثير من الناس: الحب الذي يدوم هو ما يصنعه شخصان عاديان وغير كاملين، عن قصد، قليلاً قليلاً، بأن يبقيا طيّبين حتى حين يكون اللطف الخيار الأصعب.

المصادر