جرَحك أحدهم، وما زلت تحمل هذا الجرح. ربما منذ أسابيع. ربما منذ سنوات. تعيد المشهد في ذهنك وأنت تستحم، وأنت في السيارة، وفي الساعة 2 صباحًا. تخيّلت ما ستقوله لو أتيحت لك الفرصة يومًا. وفي مكان ما على الطريق، قال لك أحدهم إن عليك ببساطة أن تسامح وتمضي قدمًا، وكأن الأمر مفتاح يمكنك أن تديره لو كنت إنسانًا أفضل فحسب.
غالبًا ما تصل هذه النصيحة كضغط، لا كراحة. جزء من المشكلة أن لا أحد تقريبًا يتفق على المعنى الحقيقي للمسامحة. حين يسمع الناس هذه الكلمة، يتخيلون إعفاء الطرف الآخر من المسؤولية، أو التظاهر بأن كل شيء كان على ما يرام، أو العودة إلى ما كانت عليه الأمور. لا عجب أن يبدو الأمر مستحيلًا. فأنت مطالَب بفعل شيء يبدو أقرب إلى خيانة نفسك.
لنتمهّل إذن ونحدد بدقة ما تعنيه هذه الكلمة وما لا تعنيه. فكلما كان التعريف أوضح، أصبح الأمر أقرب منالًا.
ما هي المسامحة فعلًا؟
يميل علماء النفس الذين يدرسون هذا الموضوع باحترافية إلى تعريف المسامحة بشكل دقيق ومحدد. فهي قرار داخلي وواعٍ بالتخلي عن الاستياء والرغبة في الانتقام تجاه من آذاك. هذا كل ما في الأمر. تحدث المسامحة بداخلك أنت. وهي تتعلق بفكّ قبضة الاستياء عن أيامك، لا بأي شيء يفعله الطرف الآخر أو يستحقه.
لاحظ ما هو غائب عن هذا التعريف. لا شيء فيه عن اعتذار الطرف الآخر. لا شيء عن اعتبار الأذى مقبولًا. لا شيء عن العودة إلى ما كان. المسامحة، بهذا المعنى، هي تحوّل في علاقتك أنت بما حدث. وتصف Mayo Clinic الأمر بأنه التخلي عن الضغينة والمرارة اللتين ترافقان استعادة الأذى مرارًا، حتى تتوقفا عن التحكم في حياتك من الداخل.
وهذا مهم من الناحية العملية. فحين تتشبث بضغينة عميقة، لا يتعامل جسدك معها كذكرى قديمة، بل كتهديد مستمر. يرتفع معدل ضربات قلبك وضغط دمك. وتبقى في حالة تأهّب دائم. وقد ربط باحثون وأطباء، من بينهم فريق Johns Hopkins Medicine، بين الغضب المزمن غير المحلول وتكاليف جسدية حقيقية: ارتفاع ضغط الدم، تراجع جودة النوم، وضغط أكبر على القلب مع مرور الوقت. قد لا يفقد من آذاك ليلة نوم واحدة. أنت من يدفع الثمن.
ما لا تعنيه المسامحة؟
هذا هو الجزء الذي يريح معظم الناس، لذا يستحق أن نكون واضحين وصريحين بشأنه.
المسامحة ليست نسيانًا. يحق لك أن تتذكر بالضبط ما حدث، وأن تستفيد من هذه الذاكرة في حماية نفسك مستقبلًا. فالذاكرة الواضحة هي ما يبقيك في أمان.
وليست تبريرًا أو تغاضيًا. يمكنك أن تسامح شخصًا سماحًا كاملًا وأنت لا تزال مقتنعًا تمامًا بأن ما فعله كان خطأً. فالتخلي عن استيائك لا يغيّر الحقائق. ومركز Greater Good Science Center في Berkeley واضح في هذه النقطة: مسامحة شخص ما لا تعني التقليل من شأن الإساءة أو التظاهر بأنها لم تكن خطيرة.
وليست مصالحة. وهذه نقطة مهمة جدًا. المصالحة تعني إعادة بناء العلاقة والثقة. أما المسامحة فيمكنك أن تفعلها وحدك، في قلبك، تجاه شخص غير نادم، أو بعيد عنك، أو لم يعد على قيد الحياة. يمكنك أن تسامح شخصًا ولا تكلّمه مرة أخرى أبدًا. وأحيانًا يكون هذا هو الخيار الأصح لصحتك النفسية.
وليست لحظة بطولية واحدة. يتخيل الناس المسامحة كفعل واحد نظيف، تختفي بعده المشاعر إلى الأبد. لكن المسامحة الحقيقية أقرب إلى العناية بجرح. فهي تعود. أغنية، أو مناسبة، أو رقم هاتف مألوف، وفجأة يشتعل الغضب القديم من جديد. هذا لا يعني أنك فشلت. بل يعني أنك إنسان، ويحق لك أن تسامح الأمر نفسه مرة أخرى، بسهولة أكبر قليلًا في كل مرة.
فلماذا يستحق الأمر كل هذا الجهد؟
إن كانت المسامحة تطلب منك شيئًا صعبًا، فمن العدل أن تسأل: وماذا سأنال في المقابل؟ والإجابة الصادقة هي أن المستفيد الأول عادةً هو أنت.
وحين يخوض الناس عملًا منظّمًا على المسامحة، تظهر النتائج في البيانات، لا في العبارات التحفيزية فقط. فمراجعات الدراسات السريرية تُظهر أن من يقومون بهذا العمل يشهدون عادةً انخفاضًا في القلق والاكتئاب والعداء، وارتفاعًا في الأمل. ويشير فريق Greater Good إلى النمط نفسه: فكلما ارتخت قبضة الضغينة، هدأت استجابة الجسد للتوتر، ويحظى من ينجحون في المسامحة بقدر من الحماية من التآكل الذي يخلّفه الغضب طويل الأمد.
تخيّل الاستياء كغرفة في منزلك أغلقتها لكنك ما زلت تُبقي التدفئة فيها مشتعلة. المسامحة هي فتح ذلك الباب وترك الحرارة تعود إلى طبيعتها. كانت هذه الغرفة تكلّفك طوال الوقت، أنت فقط توقفت عن ملاحظة الفاتورة.
طريق يمكنك أن تسلكه فعلًا
لا توجد وصفة تناسب الجميع، وكلما كان الجرح أعمق، زادت حاجتك إلى مساعدة مختص. لكن الباحثين في موضوع المسامحة رصدوا خطوات تتكرر مرارًا. وإليك نسخة مبسّطة منها يمكنك تجربتها.
- سمِّ ما حدث فعلًا. كن دقيقًا، واكتب الأمر إن كان ذلك يساعدك. ماذا فعل؟ وماذا كلّفك ذلك؟ لا تنجح محاولة مسامحة شيء غامض. عليك أن تعرف الشكل الحقيقي لما تحمله.
- اسمح لنفسك أن تشعر بالغضب قبل أن تحاول التخلي عنه. المسامحة التي تتجاوز الألم ليست سوى كبت مُقنّع بثوب أجمل. فالاستياء معلومة. اجلس معه بصدق أولًا.
- قرّر أنك تريد التحرر منه. هذا خيار تتخذه لأجل نفسك أنت، بمعزل عن مشاعرك تجاه ذلك الشخص. أنت لا تقرر أنه كان محقًا، بل تقرر أنك لم تعد تريد أن تظل مقيدًا به.
- حاول، حين تكون مستعدًا، أن ترى الإنسان الذي أمامك. هذه أصعب خطوة وليست إلزامية، لكنها تساعد. فمن يؤذون الآخرين غالبًا ما يتصرفون انطلاقًا من خوفهم، أو جراحهم، أو حدودهم الخاصة. وفهم ذلك لا يعني الموافقة عليه. إنه فقط يجعلهم أصغر حجمًا في ذهنك من الشرير الهائل الذي يميل الاستياء إلى تضخيمه.
- استعِد قصتك. ماذا علّمتك تجربة النجاة من هذا؟ وما الحدّ الذي ستحافظ عليه الآن؟ فتحويل التجربة إلى شيء تحمله عن قصد، بدلًا من أن يكون هو من يحملك، هو غالبًا حيث يكمن التحرر الحقيقي.
- توقّع أن تكرر هذه الخطوات. حين تعود المشاعر، وستعود، ارجع إلى هذه الخطوات من دون أن تحاسب نفسك. فكل مرة عادةً ما تؤلم أقل قليلًا من سابقتها.
وكلمة عن مسامحة النفس، فهذا بالنسبة لكثيرين هو الجزء الأصعب. وينطبق عليه النهج نفسه. سمِّ ما فعلته، اشعر بالندم بصدق، أصلح ما تستطيع إصلاحه، ثم اختر أن تتوقف عن استخدام الماضي كسلاح ضد حاضرك. مسامحة النفس لا تعني التظاهر بأنك لم تخطئ. إنها قرار بأن يحق لك أن تتجاوزه وتنمو.
متى تحتاج إلى مساعدة؟
بعض الجراح أثقل من أن تحملها وحدك، ولا فخر في محاولة ذلك بمفردك. فإن كان الأذى يتضمن صدمة، أو إساءة، أو فقدًا ما زال يغمرك كلما اقتربت منه، فأرجوك ألا تجعل من المسامحة مشروعًا فرديًا. فالمعالِج النفسي يمكنه مساعدتك على خوض هذه الرحلة بالوتيرة التي يتحملها جسدك، وبترتيب لا يعيد جرحك من جديد.
وانتبه أيضًا لعلامات تشير إلى أن الاستياء تحوّل إلى أكثر من مجرد ذكرى: حين يعطّل نومك، أو يفسد علاقاتك الأخرى، أو يجرّك إلى حالة منخفضة لا تستطيع الخروج منها. هذا يستحق أن تتحدث عنه مع طبيب أو أخصائي في الصحة النفسية. وإن تركك الضغط على الجرح يومًا ما بشعور بأنه لا مخرج أمامك، فتواصل مع خط أزمات أو مع شخص تثق به اليوم، لا لاحقًا. لست مضطرًا لحمل أثقل الأشياء وحدك.
حين تأتي المسامحة، نادرًا ما تصل في صورة شعور عظيم بالسلام. غالبًا ما تكون أهدأ من ذلك بكثير. في يوم من الأيام، تلاحظ أن الذكرى عادت إلى ذهنك، ولم ينقبض جسدك كله كالمعتاد. مرّت الفكرة وواصلت طريقها. هذا هو الباب وهو ينفتح. ويمكنك أن تدعه ينفتح.
المصادر
- Mayo Clinic، المسامحة: التخلي عن الضغائن والمرارة
- Johns Hopkins Medicine، المسامحة: صحتك تعتمد عليها
- Greater Good Science Center، UC Berkeley، تعريف المسامحة: ما هي المسامحة؟