نصائح سريعة
- اضبط مؤقّتاً واكتب عشر دقائق بصدق.
- طارِد كلّ قلقٍ بكلمة «لأنّ».
- مزّق الورقة إن كان ذلك يساعدك.
بعض الهموم تكبر كلّما طال بقاؤها في رأسك. تدور في حلقة، وتنشطر إلى عشرة هموم جديدة. وبحلول موعد النوم تكون قد أعدت التدرّب على المحادثة الصعبة نفسها أربعين مرّة دون أن تحلّ شيئاً. تبدو الأفكار هائلة، جزئياً لأنها بلا حواف، ولا شكل، ولا مكانٍ تستقرّ فيه.
الكتابة تمنحها حوافّ.
هذا هو الوعد الهادئ كلّه في كتابة اليوميات. تأخذ الدوّامة التي ظلّت تدور في حلقةٍ مغلقة وتضعها، بكلماتك أنت، حيث تستطيع أخيراً أن تراها. يبدو الأمر أبسط من أن يُحدث فرقاً، لكنه يُحدث فرقاً كبيراً.
لماذا تُهدّئ ورقةٌ عقلاً مُتسارعاً
خلف هذا بحثٌ حقيقيّ، يعود إلى عقود. في ثمانينيّات القرن الماضي، بدأ عالم نفسٍ اسمه جيمس بينيبيكر يطلب من الناس أن يكتبوا عن أشدّ تجاربهم إزعاجاً لفترةٍ قصيرة في أيامٍ متفرّقة. وفاجأته النتائج هو نفسه. فالذين كتبوا عن الأمور الصعبة، لا عن الأمور المحايدة، كانوا يميلون إلى الشعور بتحسّنٍ بعد ذلك، بل وجدت بعض الدراسات أنهم زاروا الطبيب مرّاتٍ أقلّ في الأشهر التالية. وقد تكرّر هذا العمل مئات المرّات منذ ذلك الحين، وبلغت مراجعةٌ متأنّية له في مجلّةٍ نفسية الخلاصة العامّة نفسها: الكتابة عن الأحداث المُجهِدة أو المشحونة عاطفياً تميل إلى تحسين شعور الناس، جسداً وعقلاً.
ما يجري تحت السطح بديهيٌّ إلى حدٍّ ما ما إن تراه. فالتجربة المُجهِدة تعيش غالباً في رأسك كخيوطٍ متشابكة من المشاعر بلا حكايةٍ واضحة. وحين تكتب، تُضطرّ إلى التمهّل ووضعها في جملٍ، واحدةً تلو الأخرى، بترتيب. ويبدو أن فعل تحويل الفوضى إلى سلسلةٍ من الكلمات هو مصدر كثيرٍ من الارتياح. لاحظ بينيبيكر أن الذين تحسّنوا أكثر لم يكونوا أكثر الكاتبين درامية، بل كانوا من يمدّون أيديهم إلى كلماتٍ مثل «لأنّ» و«أفهم»، الكلمات التي تستعملها حين تحلّ أمراً لا حين تُفرّغه فحسب.
فكّر فيها لا بوصفها تفريغاً لرأسك بل ترتيباً له. المشكلة لا تختفي، لكنها تكفّ عن كونها ضباباً وتصير شيئاً له أجزاء، والشيء الذي له أجزاء شيءٌ تستطيع أن تنظر إليه فعلاً.
لست مضطرّاً أن تفعلها بـ«الطريقة الصحيحة»
أكبر خرافةٍ عن كتابة اليوميات أنها تتطلّب دفتراً جميلاً، وعادةً يومية، وروح شاعر. لا شيء من ذلك صحيح، والاعتقاد به أسرع طريقٍ إلى ألّا تبدأ أبداً.
يوضّح University of Rochester Medical Center، الذي يحتفظ بدليلٍ بسيطٍ ومفيد لهذا الأمر، النقطة ببساطة: كتابة اليوميات مجرّد تدوينٍ لأفكارك ومشاعرك كي تفهمها بوضوحٍ أكبر. لا رقيبَ على القواعد، ولا جمهور. قد يكون الدفتر ظهر مغلّف، أو تطبيق الملاحظات في هاتفك. وما تكتبه لك وحدك، وهذا تحديداً ما يحرّرك لتكون صادقاً.
بضعة أمورٍ تخفض العتبة حقاً:
- الإملاء والتركيب لا يهمّان. اشطب. أطِل بلا توقّف. اترك الجمل ناقصة. الفوضى لا بأس بها.
- لا يلزم أن تكون طويلة. جملتان صادقتان خيرٌ من صفحتين مُتكلَّفتين.
- لا يلزم أن تكون كلّ يوم. استعملها كأداةٍ تمدّ يدك إليها حين تحتاجها، لا كسلسلةٍ عليك أن تحميها.
- لا يلزم أن يقرأها أحدٌ أبداً. إن أقلقتك الخصوصية، فمزّق الورقة بعد ذلك؛ الجزء الجيّد قد حدث بالفعل أثناء الكتابة.
بضع طرقٍ للبدء
إن كانت الصفحة الفارغة تبعث على الرهبة، فأنت لا تحتاج إلى إلهام، بل إلى سؤالٍ يحرّكك ونحو عشر دقائق. اختر من هذه ما يناسب ليلتك.
- اكتب القلق كاملاً. اضبط مؤقّتاً على عشر أو خمس عشرة دقيقة واكتب عن أيّ شيءٍ يجثم على صدرك. لا تُهذّبه ولا تجعله يبدو معقولاً. فقط أنزل الأفكار والمشاعر الحقيقية على الورق حتى ينتهي المؤقّت. هذا هو أسلوب الكتابة التعبيرية الكلاسيكيّ، وهو الأكثر بحثاً وراءه.
- سمِّ الشعور، ثم السبب. ابدأ بما تشعر به الآن في كلمةٍ أو اثنتين، ثم اسأل نفسك «لأنّ؟» على الورق مرّةً بعد أخرى. «أشعر بالقلق، لأن الاجتماع نُقل، لأنني لا أشعر بأنني مستعدّ، لأنني لم أبدأ بالجزء الذي أرهبه». ومطاردة «لأنّ» كثيراً ما تحوّل خوفاً غامضاً إلى أمرٍ واحدٍ أصغر يمكن معالجته.
- عدِّد ما سار على ما يُرام. في الأيام الأصعب، اكتب ثلاثة أمورٍ محدّدة لم تسِر على نحوٍ سيّئ، مهما صغرت. كانت القهوة لذيذة. ردّ صديقٌ على رسالتك. اجتزت المكالمة. هذه ليست إيجابيةً مُتكلَّفة، بل طريقةٌ لتوسيع نظرةٍ ضيّقها التوتّر حتى صارت لا ترى إلا التهديدات.
- اكتب الرسالة التي لن ترسلها. حين يجرحك أحدٌ أو يُغضبك، اكتب له كلّ ما لا تستطيع قوله بصوتٍ عالٍ، ثم احتفظ بها أو احذفها. لم يكن المقصود إرسالها قطّ.
لا خيار خاطئ هنا. القاعدة الوحيدة الحقيقية أن تكتب ما هو صادق لا ما يبدو جميلاً.
حين تُثير الكتابة ما بداخلك
تنبيهٌ صادقٌ واحد. الكتابة عن شيءٍ مؤلم قد تُقرّب الشعور قبل أن يخفّ، وقد تشعر لبرهةٍ بأنك أسوأ لا أفضل. وعند معظم الناس تمرّ تلك الموجة خلال ساعةٍ تقريباً، ويأتي الارتياح بعدها. لكن إن كنت تكتب عن صدمةٍ عميقة، فقد يكون التوجّه مباشرةً إلى أسوئها وحدك أكثر من اللازم، وأسرع من اللازم.
إن كنت هناك، فلك أن تكتب حول الأطراف بدل أن تغوص في المركز. ابدأ بالضغوط الأصغر. توقّف حين تحتاج. لا جائزة على تجاوز الألم بمفردك، وبعض هذا العمل يكون فعلاً أفضل إن أُنجز إلى جانب معالِجٍ نفسيّ يستطيع أن يحمل الأجزاء الأصعب معك.
ما هي كتابة اليوميات وما ليست
الورقة مكانٌ رائع للتفكير. صبورة، لا تقاطعك أبداً، ولا تطلب منك شيئاً. وفي مواجهة الثقل العاديّ لأسبوعٍ مُجهِد، يستطيع الدفتر أن يصنع خيراً يفاجئك.
ولها حدودٌ تستحقّ أن تُذكر بوضوح. كتابة اليوميات لن تُصلح موقفاً يحتاج إلى تغيير، وليست بديلاً عن العلاج. فإن كان توتّرك ثابتاً لا عابراً، أو كان ينهش نومك أو شهيّتك أو صبرك مع من تحبّ، أو ظلّت الكتابة تقودك إلى المكان المظلم نفسه دون مخرج، فتلك إشارةٌ إلى الاستعانة بدعمٍ حقيقيّ. الطبيب أو المعالِج النفسيّ ليس علامةً على فشل الكتابة، بل هو النسخة التالية الأوفى من الشيء نفسه الذي كنت تفعله على الورق: أن تقول الحقيقة عن وقتٍ صعب لمن يستطيع أن يساعدك على حمله.
الدفتر مكانٌ جيّد للبداية. وفي الأيام الأثقل، لا يلزم أن يكون حيث تنتهي.
المصادر
- University of Rochester Medical Center، Journaling for Emotional Wellness
- American Psychological Association، Expressive writing can help your mental health, with James Pennebaker, PhD
- Baikie & Wilhelm، Emotional and physical health benefits of expressive writing (Advances in Psychiatric Treatment)