تخطّي إلى المحتوى الرئيسي

العمل والدراسة والأداء · القلق

قلق الأداء: لماذا تتجمّد حين يكون الأمر مهمّاً، وما الذي يساعد فعلاً

قلق الأداء هو تلك الموجة من الخوف والترقّب المقلق التي تنتابك قبل مهمة تهمّك وتريد إنجازها على أكمل وجه. العرض التقديمي، الامتحان، الحفل، المقابلة: جسدك يتعامل معها جميعاً وكأنها حالة طوارئ. فيما يلي حقيقة هذه الموجة، ولماذا عبارة "اهدأ فقط" غالباً ما تأتي بنتيجة عكسية، وبعض الأمور التي تنفع أكثر منها.

امرأة بقميص أبيض تجلس على كرسي قرب نافذة في وضح النهار

صورة بعدسة Oleg Lekhnitsky على Unsplash

قبل خمس دقائق من أن يحين دورك، لا تكفّ يداك عن الارتجاف. قلبك يخفق أسرع من أن تستطيع الجلوس بهدوء على كرسي. فمك جافّ ومعدتك انقلبت، وفي عمق ذهنك صوتٌ بدأ يروي سيناريو الكارثة. أنت مستعدّ، وتعرف هذه المادة عن ظهر قلب. لكن جسدك، في هذه اللحظة، لا يبدو أنه يأبه لأيٍّ من ذلك.

لهذه التجربة اسم، ويعرفها تقريباً كل إنسان. قلق الأداء هو ذلك الهجوم من الخوف والترقّب المشوب بالرهبة الذي يظهر حول مهمّة محدّدة تهمّك أن تُتقنها: عرض تقديمي في العمل، امتحان، مباراة، عزفٌ منفرد، موعد أول، مقابلة عمل. يصف أطباء Cleveland Clinic هذه الحالة ببساطة بأنها خوف وتوتّر ورهبة أكبر من حجم الموقف، مرتبطة بإنجاز مهمّة معيّنة. هذا ليس عيباً في شخصيتك، ولا علامة على أنك لا تصلح لما تفعله. إنّه استجابة توتّر تقوم بما تطوّرت لتقوم به تماماً، ولكن في أسوأ لحظة ممكنة.

ما الذي يظنّ جسدك أنه يحدث؟

تبدو الأعراض عشوائية حتى تلاحظ النمط الذي تسير عليه. تسارع القلب، ارتجاف اليدين والصوت، التعرّق، ضيق الصدر، جفاف الفم، الغثيان في المعدة. هذه هي استجابة "الكرّ أو الفرّ"، ذاك النظام القديم نفسه الذي كان يغمر أجساد أسلافنا بالطاقة اللازمة للهرب من كائن ذي أنياب. جسدك، في الحقيقة، لا يستطيع التمييز بين حيوانٍ مهاجم ومراجعةٍ فصلية للعمل. فهو يقرأ عبارة "هذا الأمر مهمّ وقد أفشل فيه" كتهديد، ويضخّ الأدرينالين تبعاً لذلك.

وهنا المفارقة القاسية: كلّما زاد اهتمامك بأمرٍ ما، كبُر جرس الإنذار غالباً. قلق الأداء لا يظهر مع الأشياء التي لا تعنيك، بل يظهر بالضبط حيث لا تريده، في الأمور التي تهمّك فعلاً، وهذا جزء من سبب شعورك بأنّ الأمر غير عادل.

وهو أيضاً يغذّي نفسه بنفسه. الأحاسيس الجسدية تصبح دليلاً على نفسها: يخفق قلبك، فتلاحظ خفقانه، فتقرّر أن هذا الخفقان يعني أنك على وشك الانهيار، وخوفك من الانهيار يجعل قلبك يخفق أشدّ. اكسر الحلقة من أيّ نقطة فيها، وسينفرط كلّها.

لماذا تكون عبارة "اهدأ" هي النصيحة الخاطئة؟

معظمنا، ومعظم الأصدقاء ذوي النيّة الطيّبة، يلجأون إلى النصيحة نفسها: استرخِ، خفّف قليلاً، اهدأ. وهي نادراً ما تنجح، ولذلك سبب واضح.

جسدك أصلاً في أعلى درجات التوتّر. فمحاولة خفضه من عشرة إلى اثنين في الثواني التسعين التي تسبق بدايتك مطلبٌ صعب، وفشلك في ذلك يمنحك سبباً إضافياً للذعر. باحثة من Harvard تُدعى Alison Wood Brooks جرّبت نهجاً مختلفاً. في مجموعة دراسات نشرتها American Psychological Association، طلبت من أشخاص على وشك القيام بأمرٍ يشحن الأعصاب، كالخطابة أمام الناس، أو امتحان في الرياضيات، أو غناء الكاريوكي، أن يقولوا بصوتٍ مرتفع واحدةً من جملتين أولاً. قالت مجموعة: "أنا هادئ". وقالت الأخرى: "أنا متحمّس".

كانت مجموعة "المتحمّسين" أفضل أداءً: قدّموا خطاباتٍ بدت أكثر إقناعاً وكفاءة. وحصلوا على درجات أعلى في الرياضيات. وفي مهمّة الكاريوكي، سجّل من أعادوا تفسير توتّرهم كحماس نسبة دقة بلغت نحو 80 بالمئة في المتوسط، في حين وصل من حاولوا أن يكونوا هادئين إلى نحو 70، وكان من بقوا في حالة القلق الصريح أدنى من ذلك.

والمنطق الكامن خلف ذلك بسيط إلى حدّ يثير الاستغراب. القلق والحماس شبه متطابقين في الجسد: كلاهما حالة عالية الطاقة، قلب سريع، تركيز حادّ، طنين تحت الجلد. الفرق هو القصّة التي تحكيها عن هذا الطنين. إقناع نفسك بأنّ هذه الطاقة وقودٌ لشيء جيّد رحلة أقصر بكثير من محاولة إيقاف الطاقة تماماً.

فحين تشعر بهذه الموجة، جرّب أن تُسمّيها بطريقة مختلفة. بصوتٍ مرتفع إن استطعت، أو حتى بصمت: لست خائفاً، أنا متحمّس. يبدو هذا كخدعة، وهو خدعة في معظمه. لكنه أيضاً ينجح أكثر من البديل.

بعض الأشياء التي يمكنك تجربتها قبل أن يحين دورك

لا توجد خطوة واحدة تحلّ قلق الأداء، وما ينفع شخصاً قد لا يترك أثراً في آخر. تعامل مع هذه القائمة كقائمة اختيارية، لا كقائمة مهام واجبة. اختر واحدة أو اثنتين، وتدرّب عليهما حين تكون المخاطر منخفضة، لتكونا مألوفتين حين تكون المخاطر مرتفعة.

  1. أطِل زفيرك. لا يمكنك أن تأمر قلبك بالتباطؤ، لكنك تستطيع أن تُبطئ تنفّسك، وغالباً ما يتبعه الباقي. تنفّس للداخل على مدى أربع عدّات، وللخارج على مدى ستّ. الزفير الطويل هو الجزء الذي يُرسل إشارة الأمان. ثلاث أو أربع مرّات من هذا كافية لتخفيف الحدّة.
  2. أنفق الأدرينالين أوّلاً. كلّ تلك الطاقة الكيميائية تحتاج إلى مخرج. مشيةٌ سريعة، أو صعود بضعة طوابق من الدرج، أو حتى هزّ ذراعيك وساقيك حرفياً في الممرّ، تُعطي هذه الطاقة طريقاً للخروج، فلا تبقى في يديك على شكل رعشة. تقترح Cleveland Clinic هذا النوع من الحركة المتعمّدة لتُخبر جسدك أنّ الخطر قد مضى.
  3. حدّد الثواني الثلاثين القادمة بدقّة. يحبّ القلق أن يستحضر المستقبل المرعب كلّه دفعةً واحدة. أعد انتباهك إلى الخطوة الصغيرة القادمة مباشرة: فتح الحاسوب، إيجاد الشريحة الأولى، قول اسمك. الصغير والملموس يُجوّع الدوّامة.
  4. احفظ جملتك الافتتاحية جيّداً. أيّاً كان ما تدخل إليه، اعرف بالضبط كيف يبدأ، وتدرّب فقط على ذلك الجزء حتى يصبح تلقائياً. البداية هي حيث يكون التوتّر في أعلى صوته. وحين تبدأ الحركة، غالباً ما يتولّى الزخم الباقي.
  5. أنزِل الحضور من منصّة التقييم الوهمية. نادراً ما تُقيّمك الغرفة بالطريقة التي تتخيّلها. معظم من أمامك مشغولون بأفكارهم، أو متعاطفون معك، أو مرتاحون بصمتٍ لأنهم ليسوا في مكانك. هم يريدون لك أن تنجح. الوحدة في رأسك أكبر بكثير من الوحدة في الغرفة.

متى يتجاوز الأمر مجرّد يومٍ سيّئ؟

التوتّر قبل أمرٍ مهمّ طبيعيّ، وهو مفيد في الواقع. قليلٌ من الاستثارة يزيدك تركيزاً. إعادة التفسير والتنفّس وسيلتان لتخفيف الحدّة، حتى تظهر قدرتك الحقيقية.

لكن في بعض الأحيان يتجاوز الأمر مجرّد حدّة عابرة. إن بدأت الرهبة تصلك قبل أيام أو أسابيع، أو إن بدأت ترفض الفرص، أو تنسحب من الحصص الدراسية، أو تتجنّب الاجتماعات، أو تعيد تشكيل حياتك بصمتٍ لتتجنّب الأمر كلّياً، فهذا يستحقّ أن تأخذه على محمل الجدّ. وإن جاء مصحوباً بنوبة هلع كاملة، أو تشابك مع قلق اجتماعي أو قلق عامّ أوسع، فإنّ الحيل اللحظية لن تكفي بمفردها، وهذا ليس فشلاً في المحاولة.

والجانب المشجّع أنّ هذه الحالة تستجيب جيداً للمساعدة الحقيقية. مراجعة منهجية في مجلة Frontiers in Psychology تناولت قلق الأداء وجدت أنّ الأساليب المنظّمة، كالعلاج المعرفي السلوكي، والعلاج بالقبول والالتزام، وممارسة اليقظة الذهنية، خفّضت القلق بشكل ملموس وبنت مرونةً نفسية دائمة. يمكن للمعالج النفسي أن يساعدك على تغيير الأفكار التي تغذّي الخوف، وبناء خطّة تناسب حياتك الفعلية. وإن كنت طالباً، فمركز الإرشاد النفسي في مدرستك بابٌ جيّد وغالباً مجاني للبدء. ويمكن للطبيب أن يستثني أيّ سبب جسدي، ويناقش معك إن كان للدواء دورٌ يلعبه، وهو أمرٌ يفيد بعض الأشخاص فعلاً.

لست مضطراً إلى أن تصارع بمفردك، بشدّة، كلّ لحظة حاسمة لبقية حياتك. يداك المرتجفتان لا تحكمان على مدى انتمائك لهذا المكان. هما مجرّد طاقة، تنتظر أن تقرّر أنت ما الغاية منها.

المصادر