عندما تدور أفكارك في حلقة مفرغة ولا تستطيع إيقافها، يكون آخر ما يبدو جذاباً هو الخروج للمشي. يبدو الأمر صغيراً جداً أمام حجم ما تشعر به. أنت تريد شيئاً يحل المشكلة، وجولة قصيرة حول الحيّ لا تبدو كحل.
اذهب مع ذلك. ليس لأن المشي يحل المشكلة، بل بسبب ما يفعله بالشخص الذي يحمل هذه المشكلة.
العقل القلق يميل إلى التغذّي على السكون. تجلس مع فكرة، فتزداد صوتاً، تجلس أطول، فتزداد صوتاً أكثر. المشي يقطع هذه الحلقة. يعطي جسمك شيئاً يفعله وعينيك شيئاً تحطّان عليه، وفي إيقاعه، تبدأ القبضة بالتراخي. الناس يعرفون هذا منذ القدم. والجزء المثير هو مدى صحة ذلك حين يقيسه الباحثون فعلياً.
ماذا يفعل المشي بعقل مزدحم؟
هناك نوع من التفكير يُلحق ضرراً حقيقياً: مضغ نفس الفكرة السلبية مراراً وتكراراً دون الوصول إلى أي مكان. يسمّيه علماء النفس "الاجترار الفكري"، وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقلق والاكتئاب. هو إعادة تشغيل حديث ما في الساعة الثانية فجراً. هو القلق الذي لا يترك كُمّك.
فريق من جامعة Stanford اختبر إن كان المشي قادراً على لمس هذا النوع من التفكير. أرسلوا أشخاصاً في مشي لمدة 90 دقيقة، نصفهم عبر منطقة طبيعية هادئة وخضراء، والنصف الآخر بجانب طريق مزدحم، ثم قاسوا مقدار اجترارهم الفكري وما كانت تفعله أدمغتهم. عاد المشّاؤون في الطبيعة أقل اجتراراً، وأظهرت الفحوصات نشاطاً أخفت في منطقة من الدماغ مرتبطة بهذا النوع من التفكير المُتكرر. أما من مشوا بجانب حركة السير فلم يحصلوا على نفس الأثر. الحركة ساعدت. والحركة في مكان أخضر ساعدت أكثر.
هذه النقطة الثانية تستحق أن تبقى في بالك، لكن لا تجعلها سبباً لعدم الخروج. مشيةٌ في شارع المدينة تظل أفضل من الجلوس على الأريكة. وإن كان بإمكانك التوجّه إلى حديقة، أو شارع مُظلَّل بالأشجار، أو مياه، أو حتى قطعة صغيرة من السماء، فخذ ذلك الخيار.
لماذا يهدأ جسمك عندما تتحرك قدماك؟
جزء من ما يحدث هو بيولوجيا بسيطة. الحركة المنتظمة والمتناسقة تدفع جهازك العصبي بلطف من حالة التأهب العالي نحو حالة أكثر هدوءاً. يتعمّق تنفسك من دون قصد. يجد قلبك وتيرة أبطأ وأكثر استقراراً. النشاط الجسدي يغيّر أيضاً كيمياء الدماغ المرتبطة بالمزاج، بما في ذلك الرسائل الكيميائية التي يعتمد عليها جسمك ليشعر بالثبات والراحة. لا حاجة لأن تجهد نفسك أو تتعرّق لأجل ذلك. سرعة هادئة كافية.
الأدلة هنا صلبة، لا مجرّد أمنيات. مراجعة علمية واسعة جمعت نحو 75 تجربة، ووجدت أن المشي خفّف بشكل ملموس من أعراض الاكتئاب والقلق، وأن هذا الأثر ثبت في كل الحالات. في الداخل أو في الخارج. بمفردك أو مع مجموعة. جلسات طويلة أو قصيرة. لست بحاجة إلى النسخة المثالية. أنت بحاجة إلى النسخة التي ستفعلها فعلاً.
والجرعة ألطف مما يتصوّر الناس. وجد الباحثون أن ما يقارب 75 دقيقة أسبوعياً من المشي السريع، أي أكثر من عشر دقائق يومياً بقليل، ترافق مع خطر أقل بشكل ملحوظ للإصابة بالاكتئاب. وتؤكد Mayo Clinic نفس الفكرة بعبارات أبسط: النشاط المنتظم كالمشي، وليس فقط برامج التمارين الرسمية، يمكن أن يرفع مزاجك. السقف منخفض. وهذا هو الخبر الجيد المختبئ في كل هذا.
تحويل المشي إلى شيء يهدّئك فعلاً
هناك فرق بين المشي وأنت غارق في همومك، والمشي الذي يخرجك منها. نفس القدمين، نفس الرصيف، لكن تجربة مختلفة تماماً. بعض القرارات الصغيرة تحدّد أي تجربة ستحصل عليها.
- اترك الحلقة المفرغة خلفك. إن كان هاتفك يغذّيك بنفس الأخبار والرسائل والضجيج الذي أشعل قلقك، فلن يستطيع المشي أن يقوم بمهمته. جرّب أن تمشي بدون بودكاست أو قائمة أغاني، على الأقل في الدقائق الأولى.
- دع نظرك يتّسع. حين نكون قلقين، تضيق نظرتنا وتتثبّت، وكأنه نوع من رؤية النفق. النظر بوعي إلى المشهد كاملاً، أطراف الشارع البعيدة، قمم الأشجار، يرسل لجسمك إشارة هادئة بأنه لا خطر مباشر هنا.
- سمِّ ما تراه فعلياً. ليس الأفكار، بل الأشياء. باب أحمر. كلب. رصيف مبلّل. ثلاث حمائم. هذا يسحبك من إعادة تشغيل الأفكار في رأسك ويعيدك إلى الشارع الذي تقف فيه.
- زامن أنفاسك مع خطواتك. تنفّس داخلاً لبضع خطوات، وخارجاً لبضع خطوات أخرى. الزفير الأطول قليلاً من أكثر الوسائل الموثوقة لإخبار جهازك العصبي أن يهدأ.
- لا تقِس الأمر. هذه ليست تمريناً يجب الفوز فيه. لا عدد خطوات يجب تحقيقه ولا سرعة يجب التفوّق عليها. الهدف الوحيد هو أن تعود أكثر استقراراً بقليل مما كنت عليه عند الخروج.
ماذا لو لم تستطع الخروج؟
الطقس، جدول مزدحم، جسد يتألم، حيّ لا تشعر فيه بالأمان بعد الغروب. أشياء حقيقية كثيرة قد تعترض طريقك. المشي يبقى مفيداً حتى وهو صغير وفي الداخل. تمشَّ في ممر منزلك. اقطع دورات بطيئة حول المطبخ وأنت تنتظر غليان الغلاية. اعبر طول منزلك عدة مرات وأنت تتنفّس ببطء. الأبحاث التي وجدت أن المشي يحسّن المزاج لم تشترط حقولاً مفتوحة. اشترطت فقط الحركة.
مشية قصيرة يمكن أيضاً أن تكون جسراً بين لحظتين صعبتين، لا علاجاً لأي منهما. قبل حديث تخشاه. بعد حديث لم يسِر جيداً. في الفراغ بين يوم العمل وباب المنزل، حتى لا تحمل اليوم كاملاً بداخلك. دقيقتان أو ثلاث كافيتان لتغيير الكيمياء التي تدخل بها.
ما الذي لا يستطيع المشي حمله؟
المشي أداة تُثبّت التوازن، وأداة جيدة فعلاً. لكنه ليس علاجاً، ولا يمكنه حمل الأشياء الثقيلة بمفرده.
إن استقر المزاج المنخفض، أو الخوف، أو فقدان الأمل واستمر معك، إن فقدت الاهتمام بأشياء كانت مهمة لك، إن تغيّر نومك أو شهيتك بشكل ملحوظ لأسابيع، أو أصبح من الصعب أن تتجاوز أيامك العادية، فهذا يستحق أن تتحدّث فيه مع طبيب أو معالج نفسي. طلب المساعدة ليس علامة على فشل المشي. بعض الأحمال يُفترض أن تُحمل مع شخص آخر، لا أن تُمشى منفردة. يمكن لأخصائي أن يساعدك في فهم ما يجري وما قد يساعدك فعلاً، ويمكن للمشي أن يسير جانباً إلى جانب مع ذلك، لا أن يحلّ محلّه.
إن شعرت في أي وقت أنك غير آمن مع نفسك، أو أن الألم أكبر من قدرتك على حمله، من فضلك تواصل مع شخص فوراً. أنت تستحق دعماً بحجم ما تشعر به، وهو موجود.
لكن في أغلب الأيام الصعبة العادية، الخطوة أبسط مما تبدو. ارتدِ حذاءك. افتح الباب. ودع الباقي يلحق بك في مكان ما في الطريق.
المصادر
- PNAS، Nature experience reduces rumination and subgenual prefrontal cortex activation
- National Center for Biotechnology Information، The Effect of Walking on Depressive and Anxiety Symptoms: Systematic Review and Meta-Analysis
- Harvard Health، Can a little bit of exercise lower your depression risk?
- Mayo Clinic، Depression and anxiety: Exercise eases symptoms