تخطّي إلى المحتوى الرئيسي

الأوقات الصعبة · الخوف من الطيران

الخوف من الطيران: كيف تجتاز الرحلة وتُرخي قبضة الخوف

إن كانت فكرة ركوب الطائرة تُسقط معدتك قبل الرحلة بأسابيع، فأنت في صحبةٍ طيبة، وهناك مساعدةٌ حقيقية. إليك ما يجري، وما تفعله قبل الرحلة وأثناءها، وكيف يتلاشى الخوف فعلًا.

الشمس تسطع بقوة فوق بحيرة والجبال في الخلفية

صورة بعدسة Bryan Dickerson على Unsplash

عادةً ما يبدأ الخوف قبل أن تصل إلى البوابة بوقت طويل. تحجز الرحلة، وبعدها يبدأ ذلك الطنين الخافت في مؤخرة ذهنك، يعلو صوته كلما اقترب الموعد. تتخيل باب الطائرة وهو يُغلق. تتخيل الاضطرابات الجوية. وبحلول الوقت الذي تجلس فيه في مقعدك، يتسارع قلبك وتتعرّق يداك، بينما يجلس على بعد خطوتين منك شخص غريب هادئ يقرأ كتابًا وكأن كل هذا لا يعني شيئًا.

أول ما ينبغي أن تعرفه: أنت لست مبالغًا، ولست وحدك. الخوف من الطيران من أكثر المخاوف المحدَّدة شيوعًا بين الناس. تتفاوت التقديرات كثيرًا بحسب طريقة الحساب، لكن ما بين شخص من كل أربعة إلى شخص من كل ثلاثة بالغين يشعر بانزعاج حقيقي تجاه السفر جوًا، وقسم أصغر يتجنّب الطيران تمامًا. بعضهم أشخاص لن تتخيل أبدًا أنهم كذلك. فالخوف لا علاقة له بمدى شجاعتك أو حكمتك في جوانب أخرى من حياتك.

وله أيضًا اسم طبي حين يصبح شديدًا بما يكفي ليعطّل حياتك: aerophobia، أو aviophobia. هذا مجرد مصطلح يشير إلى رهاب محدَّد مرتبط بالطيران. تسميته ليست وصمًا يُلصق بك، بل هي مفيدة لأن الرهاب من أكثر الحالات قابلية للعلاج في مجال الصحة النفسية كلّه، ومعرفة ما تتعامل معه تدلّك على ما ينفع فعلًا.

لماذا يظلّ الخوف عالقًا حتى مع معرفتك بالاحتمالات؟

هنا الجزء الغريب الذي يشعر به معظم من يخافون الطيران أصلًا. قد تعرف عقليًا أن الطيران آمن للغاية. وقد تكون قرأت أن الجزء الخطر فعلًا من الرحلة هو القيادة إلى المطار. ومع ذلك، لا يهتمّ الخوف بشيء من هذا.

والسبب أن الرهاب لا يقيم في الجزء المنطقي من دماغك. بل يقيم في نظام الإنذار الأقدم والأسرع الذي تطوّر لحمايتك، ذلك الجزء الذي يتفاعل قبل أن تسنح لك فرصة التفكير. والسمة الجوهرية للرهاب، كما يصفه المختصون، هي بالضبط هذه الفجوة: الخوف حقيقي وجسدي، لكنه غير متناسب مع الخطر الفعلي أمامك. جرس إنذارك عالٍ. والتهديد صغير. وكلا الأمرين صحيح في آنٍ واحد.

والطائرة أيضًا شبه آلة مثالية لإطلاق ذلك الإنذار. لا يمكنك المغادرة. لست من يقود. هناك أصوات غير مألوفة، واهتزاز أو اثنان لا تفهم سببهما، وجزء من دماغك يُصرّ على أن غياب السيطرة يعني الخطر. لا شيء من هذا عيب في شخصيتك. إنه مجرد خلل في توصيلات قديمة.

وهنا يكمن الفخ الذي يُبقي الخوف قويًا: التجنّب. في كل مرة يقنعك فيها الخوف بإلغاء رحلة، تشعر بموجة ارتياح، فيسجّل دماغك ذلك بصمت كدليل على أن الخطر كان حقيقيًا وأن التجنّب أنقذك. فيزداد الخوف قوة قليلًا، ويضيق عالمك قليلًا. وكسر هذه الحلقة هو معظم العمل المطلوب.

قبل أن تطير

بعض أنجع الأشياء تحدث قبل أن تصل إلى المطار أصلًا.

  • تعرّف على كيفية عمل الطائرة فعليًا. كثير من الخوف من الطيران هو في الحقيقة خوف من المجهول. تشعر الاضطرابات الجوية وكأن الطائرة تتعطّل، بينما هي أقرب إلى قارب يعبر أمواجًا صغيرة: مزعجة تمامًا، لكنها ضمن ما صُمّمت الطائرة لتحمّله. معرفة مصدر كل صوت (عجلات الهبوط، الرفارف، تراجع المحركات بعد الإقلاع) تُزيل الرهبة عن كثير منها.
  • احجز رحلتك بطريقة تمنحك مساحة. رحلة صباحية، مقعد عند الممر أو فوق الجناح حيث الحركة أهدأ، ومسار مباشر كي تخوض الجزء الصعب مرة واحدة فقط. خيارات صغيرة، وفرق حقيقي.
  • تجنّب القهوة الثقيلة وحانة المطار. الكافيين يدفع جسدك نحو حالة تنشيط تشبه القلق، والكحول يزيد من قسوة الارتداد بعد ساعات قليلة. اشرب الماء بدلًا من ذلك.
  • ضع خطة ليديك وعينيك. حمّل مسلسلًا يشدّك، أو قائمة أغانٍ طويلة، أو بودكاست، أو كتابًا سميكًا. الهدف أن تمنح انتباهك وجهة صادقة يذهب إليها.

أمر يستحق التنويه هنا: كثير من الناس يطلبون من طبيبهم مهدّئًا مثل diazepam لتجاوز الرحلة، وكثير من الأطباء، بمن فيهم في NHS، يرفضون وصفه لهذا السبب بالذات. فالمهدّئات قد تُضعف قدرتك على التصرّف في حالة طارئة نادرة، وقد تُبطئ تنفسك في هواء المقصورة المنخفض الأكسجين أصلًا، وترفع خطر تجلّط الدم بسبب الجلوس الطويل بلا حركة، وقد تسبب لدى بعض الناس هياجًا لا هدوءًا. إن كنت تفكّر في الدواء، فهذا حديث ينبغي أن تخوضه بصدق مع طبيبك حول ما هو آمن، لا حلًا سريعًا تعتمد عليه.

حين تتأثّر أثناء التحليق

حين يهاجمك الخوف في منتصف الرحلة، لن تستطيع إقناع نفسك بالمنطق في تلك اللحظة، لكن يمكنك التعامل مع جسدك، فهو يهدأ أسرع من أفكارك.

  1. أطِل زفيرك. تنفّس داخلًا لعدّ أربعة تقريبًا، ثم أخرج الزفير لعدّ أطول من ستة. الزفير الطويل هو ما يُرسل لجسدك إشارة التهدئة. افعل ذلك لدقيقة واحدة. لا تقلق بشأن إتقانه تمامًا.
  2. ثبّت قدميك على الأرض واشعر بها. اضغط ظهرك على المقعد. أنت تذكّر جسدك بمكانه، ما يقطع دوامة الصور الكارثية.
  3. سمِّ ما حولك. خمسة أشياء تراها، أربعة تسمعها، ثلاثة يمكنك لمسها. يبدو الأمر بسيطًا للغاية، لكنه يسحب انتباهك من صورة الحادث المتخيَّل إلى واقع المقصورة الفعلي، الآمن والمملّ.
  4. دع الاضطراب اضطرابًا فحسب. حين يبدأ، جرّب أن تقول لنفسك الحقيقة البسيطة: هذا أمر طبيعي، والطيّارون يمرّون به باستمرار، والطائرة مصمَّمة لتحمّل ما هو أقسى بكثير. لست مضطرًا لتصديق ذلك بحرارة. فقط قله.
  5. أخبر مضيف الطيران. هذه من أقل الحلول استخدامًا رغم فعاليتها. فقد رأوا مسافرين قلقين آلاف المرات، ولن يُصابوا بأي ارتباك، وكثير منهم سيتفقّدون حالك أو يشرحون لك سبب صوت ما. لا داعي لأن تواجه الأمر وحدك في مقعدك.

والأمواج هي الطريقة الصحيحة للتفكير في الأمر. القلق يرتفع، ويبلغ ذروته، ثم يهبط من تلقاء نفسه إن تركته، وغالبًا أسرع مما تتوقع. لست مضطرًا لإيقاف الموجة. عليك فقط أن تصمد أطول منها، ثم من التي تليها.

كيف يتقلّص الخوف فعليًا مع الوقت؟

الأدوات اللحظية تساعدك على اجتياز رحلة واحدة. لكنها وحدها لا تشفي الخوف. والخبر الجيد أن ما ينجح فعلًا معروف جيدًا وفعّال حقًا لمعظم من يجرّبه.

العلاج الأقوى أثرًا هو العلاج بالتعرّض (exposure therapy)، غالبًا كجزء من العلاج المعرفي السلوكي (CBT). والفكرة ألطف مما تبدو. فبدلًا من إلقائك في رحلة عابرة للقارات مباشرة، يساعدك المعالج على مواجهة الطيران بخطوات صغيرة يمكن التحكّم بها، ويترك نظام إنذارك يتعلّم، من خلال التجربة لا الجدل، أن لا شيء سيئًا يحدث. قد تبدأ بمشاهدة صور لمقصورات الطائرات، ثم زيارة مطار، ثم رحلة قصيرة، وتتقدّم بوتيرة تستطيع تحمّلها. وتستخدم برامج كثيرة اليوم الواقع الافتراضي لتجربة الأمر كاملًا وأنت على الأرض أولًا. أما العلاج المعرفي السلوكي فيضيف النصف الآخر: رصد الأفكار المتسارعة ("هذا الصوت يعني أن شيئًا خطأ") وتعلّم الرد عليها بما هو صحيح فعلًا.

وإن كانت فكرة ترتيب جلسات علاج تبدو عبئًا كبيرًا، فهناك طريق وسط مجرَّب. تُنظّم عدة شركات طيران دورات مخصّصة للتعامل مع الخوف من الطيران، تجمع بين طيّارين وخبراء طيران ومختصّين في القلق، وتنتهي غالبًا برحلة حقيقية بمرافقة ودعم على متنها. وتوجّه NHS الناس إلى هذه الدورات، وتشير إلى أنها تنجح غالبًا أكثر من الدواء، وتدوم آثارها بعد انتهاء الدورة. ويمكن أن تكون نقطة انطلاق متينة حتى لو لم تصل يومًا إلى معالج نفسي.

متى يستحق الأمر طلب مساعدة أكبر؟

قدر من التوتر قبل الرحلة أمر طبيعي، ولا يحتاج إلى إصلاح. لكن يستحق الأمر طلب دعم حقيقي حين يبدأ الخوف بالتحكّم في قراراتك: حين ترفض رحلات، أو فرص عمل، أو حفلات زفاف، أو مناسبات لرؤية من تحب لأن الطيران يبدو مستحيلًا، أو حين يلتهم الرعب أسابيع من حياتك قبل رحلة لا مفرّ منها.

هذا ليس دليلًا على أنك مكسور. إنه دليل على أن هذا الخوف تحديدًا كبر أكثر من الأدوات المتاحة لديك، ومعالج نفسي متخصّص في الرهاب يمكنه مساعدتك على تصغيره من جديد. تحدّث إلى طبيبك أو مختص في الصحة النفسية، وإن كان القلق أو نوبات الذعر يتسرّبان إلى جوانب أخرى من حياتك، فاذكر ذلك أيضًا. الرهاب يستجيب للعلاج بقدر أي شيء تقريبًا في هذا المجال. والعالم الذي يقع خلف هذا الخوف، بالرحلات والأشخاص والأماكن، يستحق العمل اللازم للعودة إليه.

المصادر