معظمنا يعيش على بُعد بضع سنتيمترات خلف عينيه. نفكّر، نخطّط، نقلق، نُعيد الأحداث في أذهاننا، بينما يتبعنا الجسد من تحت كأنه أمتعة نسينا أننا نحملها. لا نلاحظ الفك المشدود إلا حين يؤلمنا. ولا نشعر بالنَفَس المحبوس إلا حين نُطلقه أخيرًا.
المسح الجسدي طريقة للعودة إلى ذلك الجسد. تُحرّك انتباهك ببطء عبر جسدك، من باطن قدميك إلى أعلى رأسك (أو بالاتجاه المعاكس، لا فرق)، متوقفًا عند كل جزء لتلاحظ ما هو موجود فعلًا فيه. دفء. ضغط. وخز خفيف. أو لا شيء على الإطلاق. أنت لا تحاول إرخاء تلك الأجزاء أو إصلاحها. أنت فقط تزورها.
قد يبدو هذا بسيطًا أكثر من أن يُحدث فرقًا. لكنه واحد من أقدم أدوات اليقظة الذهنية الحديثة، ويُدرَّس كأحد أركان برنامج الحد من التوتّر القائم على اليقظة الذهنية، ذلك البرنامج الذي يمتد ثمانية أسابيع وطوّره Jon Kabat-Zinn في أواخر السبعينيات، ولا يزال إلى اليوم نقطة انطلاق يعتمدها كثير من المعلّمين مع المبتدئين. وهناك سبب وجيه لبقائه واستمراره.
لماذا يتجه انتباهك إلى أصابع قدميك؟
العقل المتسارع لزِج. حين تحاول أن تُفكّر طريقك نحو الهدوء، غالبًا ما ينتهي بك الأمر إلى مزيد من التفكير فحسب. أما الجسد فيمنح انتباهك مكانًا ملموسًا يستقر فيه بدلًا من ذلك، فالإحساس في قدمك اليسرى حقيقي ومحايد ويحدث الآن، بخلاف الجدال الذي دار بالأمس.
وثمة أمر آخر يحدث حين تتمهّل بما يكفي لتشعر. تبدأ في التقاط الجانب الجسدي للتوتّر وهو لا يزال صغيرًا. الكتفان المشدودتان. التنفّس الضحل في أعلى الصدر. كثير من التوتّر يسكن الجسد دون أن يُعلن عن نفسه أبدًا، ولا يمكنك إرخاء ما لم تلاحظه. توضّح Mayo Clinic ببساطة أن المسح الجسدي وسيلة لتخفيف هذا التوتّر المتراكم وجلب شعور بالهدوء، وذلك جزئيًا عبر تهدئة الجهاز العصبي وتخفيف هرمون التوتّر في الجسم، الكورتيزول.
وهناك أيضًا بعض الأبحاث المتواضعة التي تدعمه، ليست بوصفه معجزة بل كأثر حقيقي. ففي إحدى التجارب السريرية، أدّى مسح جسدي قصير مدته عشر دقائق، قُدِّم لأشخاص يعانون من ألم مزمن، إلى تخفيف ملموس في الضيق المرتبط بالألم مقارنةً بمجموعة ضابطة. والملاحظ اللافت أن الفائدة ظهرت بوضوح أكبر حين مارسوه في بيئة عيادية مدعومة، لا بمفردهم في المنزل، وهو ما يُشكّل حجة هادئة لطلب قليل من الإرشاد حين تبدأ.
كيف تُمارس المسح الجسدي؟
امنح نفسك ما بين خمس وعشرين دقيقة. غالبًا ما يكون الاستلقاء الأنسب للمبتدئين، مع أن الجلوس على كرسي يفي بالغرض أيضًا، ويفضّل بعض الناس الجلوس لأن الاستلقاء قد يأخذهم مباشرة إلى النوم.
- استقرّ. استلقِ على ظهرك مع إبقاء ساقيك غير متقاطعتين وذراعيك بعيدتين قليلًا عن جانبيك، وراحتا يديك إلى الأعلى. دع السطح الذي تحتك يحمل كامل ثقل جسدك. أغمض عينيك، أو دع نظرك يرتخي ويصبح غير مركَّز.
- خذ بضعة أنفاس بطيئة لتصل إلى اللحظة الحاضرة. استنشق من أنفك، وازفر من فمك، واجعل كل زفير أطول قليلًا من الشهيق. أنت بذلك تُرسل إشارة إلى نفسك بأنه لا مكان آخر عليك أن تكون فيه خلال الدقائق القليلة القادمة.
- ابدأ من قدميك. وجّه انتباهك إلى أصابع قدميك، وباطنهما، وكعبيهما. ما الموجود هناك فعلًا؟ ربما دفء، ربما ضغط الأرض تحتك، ربما طنين خفيف، وربما لا شيء يمكنك تسميته. كل هذه إجابات صحيحة. و"لا شيء" ملاحظة جيدة تمامًا.
- تحرّك للأعلى ببطء. انتقل من قدميك إلى كاحليك، ثم ساقيك وبطة الساق، فركبتيك، ففخذيك. اقضِ نَفَسًا أو نفسين عند كل محطة. لا داعي للاستعجال، ولا يوجد اختبار في النهاية.
- تابع عبر الجسد كله. الوركان وأسفل الظهر. البطن، التي غالبًا ما تليّن بمجرد أن تلاحظ أنك كنت تشدّها. الصدر، اليدان، الذراعان، الكتفان، الرقبة. فكّك، الذي يحمل أكثر من نصيبه. عيناك، جبهتك، أعلى رأسك.
- اختم بالشعور بكل ذلك دفعة واحدة. استرح لبضعة أنفاس مع إحساس بجسدك كاملًا وهو مستلقٍ هناك، متماسكًا ككل، قبل أن تفتح عينيك ببطء.
هذه هي الممارسة كاملة. يشير مركز Greater Good in Action التابع لجامعة University of California, Berkeley إلى أن خمس دقائق فقط، بضعة أيام في الأسبوع، تكفي لبدء ملاحظة الفوائد، وأن من يواظبون عليها يجنون منها أكثر مع الوقت. فالممارسة القصيرة والمنتظمة أفضل من الطويلة والنادرة.
ماذا لو شرد ذهنك (وسيشرد لا محالة)؟
هنا الجزء الذي يخطئ فيه معظم الناس، وهو أيضًا الجزء الأهم. سيتشتت انتباهك. ستكون عند ركبتك اليسرى وفجأة تجد نفسك بعد ثلاثة أيام في المستقبل، تصوغ رسالة بريد إلكتروني. هذا ليس فشلًا. هذه هي الممارسة بعينها.
المهارة كلها تكمن فيما تفعله بعد ذلك: تلاحظ أنك شردت، ثم تُعيد انتباهك برفق إلى حيث توقّفت. هذا كل ما في الأمر. قد تفعل هذا عشر مرات في خمس دقائق، وربما خمسين مرة. كل عودة هي تكرار، تمامًا كما يُعدّ رفع واحد للثقل تكرارًا في الصالة الرياضية. العقل الذي يشرد ثم يعود إنما يقوم بالضبط بما يُفترض أن يقوم به.
لذا تخلَّ عن فكرة أن المسح الجسدي يجب أن يمنحك شعورًا بالنشوة والفراغ. في بعض الأيام يكون مريحًا. وفي أيام أخرى تشعر بالحكة والملل وتخدر قدمك. الهدف لم يكن يومًا شعورًا بعينه. الهدف هو التدرّب على الملاحظة والبدء من جديد، وهذا يصحّ سواء شعرت الجلسة بأنها جيدة أم لا.
بعض التحذيرات الصادقة
المسح الجسدي لطيف، لكنه ليس مناسبًا للجميع في كل لحظة.
إذا كنت قد مررت بصدمة، فقد يؤدي توجيه كامل انتباهك إلى داخل جسدك أحيانًا إلى إثارة أكثر مما يهدئ، خاصة في البدايات. وإذا حدث ذلك، فأنت لا تمارسه بطريقة خاطئة، ولا شيء معطوب فيك. يمكنك أن تُبقي عينيك مفتوحتين، أو تُقصّر الممارسة، أو تركّز على أجزاء من جسدك تشعر تجاهها بالحياد والأمان، أو تتخطى الممارسة كليًا لصالح أداة توجّه انتباهك إلى الخارج بدلًا من ذلك. يمكن لمعالج نفسي مدرَّب على التعامل مع الصدمات أن يساعدك في إيجاد نسخة تناسبك.
ويستحق الأمر أيضًا أن نوضّح ما هو المسح الجسدي وما ليس عليه. إنه ممارسة يومية تُثبّت التوازن، ومدخل جيد للتأمل. لكنه ليس علاجًا لحالة سريرية بحد ذاته. فإذا كان المزاج المنخفض أو القلق أو الألم يعيق بانتظام نومك أو عملك أو علاقاتك، فيُرجى إشراك طبيب أو أخصائي نفسي. اللجوء إلى الدعم ليس علامة على أن الممارسة قد خذلتك. إنه طريقك لمنح نفسك أكثر مما يمكن لأي تقنية واحدة أن تقدّمه.
والجميل في الأمر هو قلة ما يطلبه منك. لا تطبيق، ولا وسادة، ولا مهارة خاصة، ولا حاجة إلى مزاج جيد. فقط بضع دقائق، وقليل من الانتباه، وجسد كان ينتظر طوال الوقت أن تعود إليه.
المصادر
- Mayo Clinic، تمارين اليقظة الذهنية
- Greater Good in Action، UC Berkeley، تأمل المسح الجسدي
- PubMed، التأثيرات الفورية لمسح جسدي قصير قائم على اليقظة الذهنية على مرضى الألم المزمن